مدلولات غائبة عن الإعلام للتدخل الروسي في سوريا

مدلولات غائبة عن الإعلام للتدخل الروسي في سوريا
  قراءة

 

عجت الصحف العربية والعالمية بأخبار التدخل الروسي في سوريا، وانشغلت وسائل الإعلام بإحصاء أعداد المقاتلين الروس، والعتاد من دبابات وطائرات، بشكل يشعر معه القارئ أن غرفة عمليات واحدة تدير تلك الوسائل الإعلامية وخاصة العالمية منها، على الرغم أن التواجد العسكري الروسي قديم في سوريا، وتحديدًا في المناطق الساحلية في طرطوس واللاذقية.

 

روسيا لم تعد تثق بنظام الأسد

 

وفرت روسيا طوال الأعوام الماضية غطاءً سياسيًّا لنظام الأسد في المحافل الدولية، واستخدمت حق النقض الفيتو في عدة مواقف داخل مجلس الأمن، وبالمقابل المطلوب من الأسد تأمين مصالح روسيا ليس في كل سوريا، فما يعني الروس هو المنافذ على البحر المتوسط ، إلا أن المعادلة اختلت مع أول اقتراب لجيش الفتح من معاقل الأسد في سهل الغاب ، وانهيارات النظام أفقدت حلفاءه الثقة ، مما دفعهم إلى نشر القوات في عدد من المناطق الإستراتيجية مثل قمة صلنفة ، وتلة دورين  .

 

التضارب الروسي – الإيراني

 

لقد جندت إيران كل ما تستطيع حشده من ميليشيات شيعية في كل من العراق ، وأفغانستان ، ولبنان ، وباكستان ، وحتى من إيران ، ومن المعروف أن كل ما تنفقه إيران من أموال وضريبة سياسية ليس صدقة أو تعاطفًا مع الأسد ، وإنما إيمانًا منها أن فقدان النظام السوري الذي بذلت عشرات السنين في اختراقه ، يعني فقدانها للذراع اليمنى في المنطق ، وهذا التوغل الإيراني ، وحتى خوضها للمفاوضات مع الثوار بالنيابة عن النظام لم يعد يروق للروس ، فليس صحيحًا أنهم والنظام والصين حلف واحد ، وإنما لكل مصالحه ، وطغيان الدور الإيراني وسيطرته على قرار النظام في سوريا نتيجة انتشار الميليشيات ، لم يعد مريحًا بالنسبة للدب الروسي ، ولم تعد تثق بأن أحدًا بمقدوره تأمين مصالحه سواه .

 

التسويات تلوح بالأفق

 

لا تريد روسيا أن تكون خارج نطاق أي تسوية دولية في سوريا ، خاصة ارتفاع الأصوات الدولية المنادية برحيل الأسد إما بالحل السياسي ، أو العسكري ، ويجسد التدخل الروسي المباغت ، والذي جاء دون سابق إنذار أقصى حالات القلق من استثناء روسيا من أي تسوية سياسية لا تكون طرفًا فيها ، وبالتالي تتعرض لخطر حرمانها من منافذها في المياه الدافئة ، وليس أفضل من الوجود العسكري وسيلة للتفاوض السياسي ، خاصة أن روسيا أعلنت في عدة مرات أنها مع تشكيل هيئة حكم انتقالية تضم المعارضة الوطنية ، ورموزًا من نظام الأسد.

 

وَتَر حرب الإرهاب

 

تُكثر روسيا من العزف على وتر الإرهاب من أجل تسويغ تدخلها الأخير ، كيف لا ، وقد أصبح هذا الوتر الأكثر طربًا غربيًّا وعالميًّا، وتعمد روسيا إلى خلط الأوراق كل فترة عن طريق تسريب من هنا أو هناك ، عن نيتها استهداف فصائل ثورية بحجة انتشار المقاتلين الأجانب بداخلها ، وليس غريبًا أن تفعل ذلك خاصة إذا تم الاقتراب من مناطق نفوذها في الساحل ، إلا أنها قطعًا تقدم على انتحار مؤكد إذا ما حاولت مساندة النظام للوقوف على أقدامه واستعادة ما خسره ، وما أفغانستان عن روسيا ببعيد .

 

ما فشلت الميليشيات الشيعية به لن تحققه روسيا

 

انخرط آلاف المقاتلين الشيعة من سوريا وإيران والعراق ولبنان وأفغانستان في القتال إلى جانب نظام الأسد ، ولا ينكر عاقل أن بداية تدخلهم القوي والمباشر قبل عامين ، وقف إلى حد كبير في وجه تقدم الثوار على نظام الأسد ، وسرعان ما انهارت تلك الميليشيات وخاصة حزب الله اللبناني بعد أن فقد كوادره الأساسية ، وقوات النخبة ، وأصبح مجبرًا على إرسال أعداد بشرية غير مدربة فقط من أجل استمرار المعارك والحفاظ على عدم انسحابه ، والآن بدأت وسائل إعلامية مقربة من الحزب تروج لانسحابه من سوريا بحجة أن روسيا تريد ذلك ، إلا أن واقع الحال يشير إلى قرب انهياره بشكل كامل ، فلو فرضنا أن روسيا قررت التدخل عسكريًّا وحاولت استعادة ما خسره النظام ، فماذا بإمكانها أن تفعل أكثر ممن سبقها ؟

ولا يغيب عن الأذهان أن الضخ الإعلامي الأخير حول القوات الروسية  مقصود بشكل أساسي من الولايات المتحدة ، والدول الغربية ، التي تريد أن تشيطن روسيا وتظهرها حليفًا قويًّا للأسد ، بحيث يكون سقوطها- إن حصل- مؤلمًا على قدر الصدى الذي أخذه تدخلها.

بقلم: 
المحرر السياسي
المصدر: 
الدرر الشامية










تعليقات