حقيقة العميد المنشق "مصطفى الشيخ": احتواء الثورة.

حقيقة العميد المنشق "مصطفى الشيخ": احتواء الثورة.
  قراءة

 

أعدّه: أحرار برس

تُعَد"الجيوش النظامية" في الأنظمة المستبدة أحد أهم مخالبها التي تستعملها في قمع وإسكات أي صوت ينادي بما يعارضها أو يُعَكّر عليها صفوها، ولذلك تُعد الورقة الرابحة التي يبحث عنها طرفي المعركة "النظام"و"الشعب".

فـ "النظام" يحاول أن يطمئن من وقت إلى آخر يده القوية (الجيش) ليضمن ألا ينقلب السحر على الساحر، فتنهش اليد في الجسد التي ما فتئت في الدفاع عنه.

و"الشعب" الذي ينظر إلى (الجيش) على أنه بضعة منه، قَطَعت رحمها وعقّته لعقود طويلة، ينتظر أن تأتي الفرصة ليصل الجيش رحمه تائبا من القطيعة التي دامت طوال عقود الاستبداد والطغيان. وتعتبر أقوى الفرصة التي قد لا تأتي في العمر إلا مرة واحدة هي "الثورة"، التي تثور فيها الشعوب على الطاغية المستبد التي ظلم البلاد والعباد؛ بل وتعدى ظلمه إلى الأشجار والدواب. وفي ظل هذه الثورات يفيء أفراد ممن عاشوا سنين طويلة تحت هذه الأنظمة المستبدة لينشقوا عنه بعدما كانوا قطعة من جسده ليعودا إلى محضنهم الطبيعي، في جسد شعبهم الثائر، يذبون عن مطالبه ويحمون محارمه. 

ولكن| لكل قاعدة شواذ، تأتي بعض الانشقاقات لا لحماية الثورة بل لمضادتها من داخلها أو لاحتوائها .   وفـي الشأن السوري، ظهرت انشقاقات مباركة، وأخرى مشكوك في نزاهتها ومصداقيتها، رصدها المحللون والنقاد من خلال تصريحات هؤلاء المنشقون ومواقفهم وما آل إليه أمرهم . ومن أبرز الشخصيات التي يدور حولها الجدول منذ انشقاقها وإلى الآن.. العميد الركن "مصطفى الشيخ"!!

مصطفى أحمد الشيخ، من مواليد قرية "أطمة" التابعة لمحافظة "إدلب"،(2حزيران/يونيه 1957)، له أربعة؛ أولاد ثلاثة جامعيين، والرابع ضابط برتبة ملازم أول انشق مع والده إلى جانب عدد من أفراد أسرته، منهم شقيق العميد وهو أمين فرع حزب البعث العربي الاشتراكي في محافظة "إدلب".

تخرج "مصطفى الشيخ"فـي"الكلية الحربية"(1979م)، وتخرج بـ"رتبة ملازم" اختصاص كيمياء، ثم اتبع العديد من الدورات العسكرية منها دورة قائد كتيبة، ودورة قيادة وأركان. وخدم العميد "مصطفى الشيخ" في القوى البرية (1980م) ضمن قوات الردع العربية طرابلس (من 1979 إلى 1983م)، ثم ما بين عامي(1984-2005م) كضابط أمن بمركز الدراسات والبحوث العلمية، ثم نقل إلى قيادة المنطقة الشمالية بصفة رئيس فرع الكيمياء وضابط أمن المنطقة الشمالية، وبقي في هذا المنصب حتى تاريخ انشقاقه في (16 ديسمبر2011)، لكنه أعلن انشقاقه بشكل رسمي بتاريخ (6يناير 2012) في بيان متلفز على قناة الجزيرة الفضائية.

العميد"مصطفى الشيخ" الذي أثار بانشقاقه شكوكًا واسعة، له عدة تصريحات تؤيد تلك الشكوك. أعلن في حديث بعض الصحف, أنه "ينبغي أن يتولى مسؤولية الجيش المعارض لنظام الأسد الرتبة الأرفع من بين المنشقين! دون اعتبار للكفاءة، والأقدمية في الانشقاق، والشعبية بين المقاتلين، والأسبقية في الجهاد ضد الطغيان".

في تصريحات له مع "الحياة" شدد "العميد الشيخ" أن الغرب لن يدعم "مجلسًا وطنيًا" أو "جيشًا" لا يحملان تصورًا واضحًا لمرحلة ما بعد سقوط النظام خصوصًا مع هيمنة "الإخوان المسلمين" على كل أوجه المعارضة السورية.

جاءت كلمات "العميد الشيخ" لا تأبه إلا لتضمينات الغرب ومصالحه الإستراتيجية، وحدود إسرائيل في حين يشدد في كلماته على مناهضة التوجه الإسلامي أو "أسلمة الثورة"حسب تعبيره. ففي مقابلة الحياة صرح  بأن سورية ما بعد الأسد "لن تتحول إلى واحة إسلامية"، وأضاف "ونحن بالمرصاد لأي احتمالات أسلمة للثورة، وهذه معركتنا المقبلة "!!.. (1) وفـي اللقاء نفسه الذي شَكّك الشيخ في تصريحات"الإخوان المسلمون" عن الدولة المدنية،  واعتبر تصريحهم جزءًا مما يتقنه "الإخوان" من مسايرة الأوضاع لحين وصول الفرصة المناسبة وانقضاضهم على السلطة في شكل إقصائي.

مضيفًا أن الإخوان بخبرتهم التنظيمية باتوا يعرفون" كيف يمالقون، ومتى يتسلطون" على حد قوله، وهذه التصريحات لا تختلف كثيراً عن تصريحات النظام التي كان يروجها دائماً في الإعلام لتخويف الشعب وتبرير استمراره في الحكم لفترات طويلة. 

مصطفى الشيخ و"دولة العسكر":

إن الناظر في كلمات وتصريحات العميد مصطفى الشيخ يرى مدى تلك "العسكرة" التي يتبناها هو من خلفه، حتى لا تخرج الدولة عن السيطرة، ونظرته أن سبب فرقة الفصائل هو تدخل السياسيين، وإلحاحه دائمًا على الرتب العسكرية ومؤهلاتها الأكاديمية، وأنها هي الجديرة على قيادة المرحلة والعبور بها إلى بر الأمان، وهذا يشبه إلى حد كبير ما قام به "العسكر" في مصر، حيث رأي عدد من المحللين أن العسكر في مصر حولوا المرحلة من(انتقالية) إلى (انتقامية)، فهل يقوم العميد بنفس الدور في سوريا ويستمر الوضع العسكري في سوريا، حيث السيطرة التامة على كافة مؤسسات الدولة وتجاهل السياسيين والقوى المدنية؟!.

في لقاء خاص أجراه مع "قناة العربية"(8/9/2012) أوضح مُقَدِّم اللقاء أن "العميد الشيخ" أصر على أن يكون اللقاء في إحدى وحدات الجيش الحر! ظنًا منه أن هذا سيظهره بمظهر القائد ميدانـي متلاحم مع الناس، وحتى يرد على الانتقادات التي وجهت له بأنه يجلس مرفهًا في تركيا بينما الثوار الحقيقيون في أرض المعركة يلاحقهم الموت في كل مكان حتى في أحلامهم . وفي اللقاء، عِند سؤاله عن سبب عدم توحد الفصائل المقاتلة، أجاب بأن "سببها تدخل السياسيين والأجندات الخارجية"، ثم رفض ذكر الجهات والأطراف الضاغطة والأجندات الخارجية التي ذكرها- مبررًا ذلك بأنه "لا يريد إحراج المجتمع العربي والمجتمع الدولي في هذا المضمار"! ثم عاد فتناقض عند سؤاله عن "التطمينات" التي تطلبها الدول حتى تضمن بأن مساعداتها من السلاح وغيره لن تقع في أيادي مجهولة ، أجاب بأن هذه الطلبات مشروعة ، وأنه قام بعدة لقاءات مع عدد من الضباط بإشراف "الدول المعنية"!! مثل فرنسا وتركيا..ليصبح هذا الجسم، "جِسم عسكري مؤسساتي".

فهو لا يرد أن يحرج المجتمع الدولي والعربي بكشف ضغوطه وفي نفس الوقت يقوم بعمل اجتماعات بإشراف دول أجنبية معنية، ويذكر في مقدمتها "فرنسا" التي أعلنت في وقت سابق أنها ساعدت "مناف طلاس" في انشقاقه بفرقة فرنسية خاصة مما يزيد من الشكوك حول الدور الفرنسي في محاولة احتواء الثورة بما يضمن عدم صعود نظام يستقل بالقرار السياسي عن التبعية الغربية، وأقرب الناس لقبول ذلك، هؤلاء المنشقين المعروفين بقربهم من النظام لفترات طويلة .

وفي الوقت القريب، نقلت وسائل الإعلام المختلفة أن اجتماعًا حدث في تركيا بين مجموعة من القيادات العسكرية السورية المنشقة عن نظام بشار الأسد وأنها اتفقت على الاتحاد تحت اسم "الجيش الوطني السوري" بقيادة اللواء محمد حسين الحاج, ومن قبل ذلك أعلن العميد المنشق مصطفى الشيخ عن تشكيل "المجلس العسكري" بنفس الذريعة وهي" توحيد الثوار ضد نظام الأسد", وكل هذا جاء بعد فترة طويلة من الثورة ومن نشاط الجيش الحر وقائده العقيد رياض الأسعد والذي تمكن من تحقيق انتصارات كبيرة على الأرض رغم قلة الإمكانات. وفي تصريحات لـ "رياض الأسعد" بعد اجتماعات مع هذه القيادات المتسلقة، أكد فيها أن ما ظهر له أن الاجتماع غايته اختطاف الثورة وإبعادها عن "توجهها الديني"، فهل يمثل "مصطفي الشيخ" وفريقه الثورة المضادة التي تحاول إبعاد الثورة عن مسارها الطبيعي لترتمي مرة أخرى في نظام أسدي ولكن تحت اسم جديد!.

عند "مصطفى الشيخ" (الثائر) مثل (الشبيح)!!

وفي تصريحات هي الأغرب منذ اندلاع الثورة أكد "مصطفى الشيخ" لجريدة (الوطن أون لاين) أنه "سيتم تجريم كل من يشارك فيها من خارج الحدود، ضمن تعريف الأمم المتحدة للمرتزقة، حتى لو كان هدفه مساعدة الثورة"!!

موضحًا: أن "الجيش الحر سيعامل كل أجنبي حمل السلاح في سوريا، دون النظر إلى كونه شارك فعليا أو لم يشارك في عمل عسكري، كـ "مرتزق"، وأضاف أنه لن يتم التعامل مع المرتزق الذي وقف مع (نظام الأسد) أو مع (الثورة) ضمن ما ورد في الملحق الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف الموقعة عام 1949، إنما ضمن ما اعتمدته الأمم المتحدة في 4 كانون الأول 1989 بإقرارها الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، وأكد أن هذه الاتفاقية جرمت كل مرتزق (2).

والحاصل: إنّ الناظر في تاريخ " العميد مصطفى الشيخ" وما آل إليه أمره بعد إعلان الانشقاق، ليرى أنه ما انشق إلّا لأمر يُراد!.

لن نتكلم عن الاتهامات التي تنتشر على الرجل بالعمالة أو الماسونية أو غيرها، مما ينتشر عنه، ولكن قد آثرنا ألا نتكلم إلا بما قاله بنفسه وصرح به، حتى يستطيع القاريء أن يقيم بنفسه ما قاله الرجل بنفسه بعيدًا عن الظنون .. بعيدًا عن الافتراءات .. بعيدًا عن المجازفات ..ولكن كلماته تدلل أن "العميد" قد يكون هو البديل المقبول لدى الغرب عن نظام الأسد بــ"نكهة الانشقاق"!

 ولذا يجب أن ينتبه الثوار ويأخذوا حذرهم من هذا وغيره، الذين يريدون إعادة تصنيع النظام القديم ولكن بشكل جديد .. والأيام كفيلة بتأكيد الظنون أو نفيها، والأيام حبلى يلدن كل عجيب.   _____________________________________  (1) مقابلة مع جريدة الحياة اللندنية (30/3/2012).

(2) مقابلة مع جريدة الوطن أونلاين (10/9/2012) بعنوان (الجيش الحر يتبرأ من المقاتلين الأجانب ويطالبهم بالمغادرة فورا).



تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات