سوريا... مجازر تلد أخرى

سوريا... مجازر تلد أخرى

منذ وصول حكم البعث إلى السلطة في سوريا في مارس/ آذار من عام 1963 وحتى الآن، وأكثر ما يُميز حكمه وسلطته هو المجازر والمسالخ والسجون، حتى غدت جزءًا لا يتجزأ من ثقافة الحكم البعثي على مدى عقود، وتجذّر ذلك أكثر مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة في تشرين ثاني من عام 1970 تحت لافتة ما عرف بالحركة التصحيحية لحزب البعث، فدفع الشعب السوري طوال تلك الفترة فاتورة باهظة مُكلفة، لم يدفعها شعب في التاريخ الحديث، ومعه دفع الأشقاء العرب أثماناً باهظة في ابتزاز هذا النظام وأساليبه الدموية.

في مثل هذا الشهر من عام 1981 وقعت مجزرة قل مثيلها في التاريخ إنها مجزرة حماة، والتي طالت كل ما يمتُّ للمدينة بصلة، فجرّد حافظ الأسد حملة عسكرية مدججة بكل أنواع الأسلحة من طيران وصواريخ ودبابات ومدفعية ورشاشات، فكان على رأسها شقيقه رفعت الأسد، ومليشيات تحت عنوان الجيش لدك المدينة واستباحتها على مدى أيام، خلّف ذلك عشرات الآلاف من القتلى، الذين دفن بعضهم أحياء، في ظل إغلاق كامل عن العالم الخارجي، وصمت عالمي مطبق ومخيف في ذلك الوقت، فتركت جرحاً غائراً في جسد الأمة لن يشفى ولن يبرأ ما دام القتلة لم ينالوا جزاءهم، ولم يحاكموا محاكمة عادلة، وهو الذي جرأهم على فعل ذلك اليوم، وإلا لو عاقب العالم القتلة بالأمس لما تجرأ قتلة اليوم على فعل اليوم.

وعلى مدى حكم الأسد الأب كانت المجازر سمة مميزة في تاريخه، من مجازر حلب وجسر الشغور، إلى مجازر سجن تدمر الذي راح ضحيته بحسب السجناء الذين عاشوا أهوال تلك الفترة أكثر من 30 ألف قتيل على امتداد فترة حكم الأسد الأب، إذ كانت هناك وجبات للإعدام نصف أسبوعية وتحديداً في يومي الإثنين والخميس، وحتى أن بعض الإعدامات بلغت بيوم واحد أكثر من 200 من خيرة من أنجبتهم سوريا من الأطباء والعلماء والمهندسين والطلبة المميزين، ولعل ما كتبه السجناء الذين أفرج عنهم لاحقاً مادة مهمة في توثيق تلك المرحلة الكئيبة من تاريخ سوريا.

مع اندلاع الثورة السورية في آذار من عام 2011 والتي تقترب ذكراها الحادية عشرة هذه الأيام، يجد السوري نفسه أمام بانوراما سوداء حقيقية من المجازر التي لطّخت سمعة العصابة الحاكمة، فكان العدل والإنصاف بين مدن وبلدات سوريا فقط هو المساواة بالمجازر والمسالخ على امتداد المدن والبلدات السورية، إذ قلّما يمر يوم واحد دون الحديث عن ذكرى مجزرة قام بها نظام الأسد ومليشياته وشبيحته، أو قام بها سدنته من المحتلين بقصف سوق أو مخبز أو منشآت صحية أو مرافق تعليمية وهكذا، وهنا دعوة لكل سوري معني كشاهد عيان أو قادر على توثيق تلك المرحلة بأن يقوم على توثيق هذه المجازر والمذابح لاسيما من خلال من عايشها، أو ممن رواها وشاهدها وعاصرها، أملاً في تشكيل ذاكرة جمعية للأجيال المقبلة.

لا شيء يلد هنا في سوريا سوى المجازر والمذابح والإعدامات، في ظل سلطة بعيدة كل البعد عن كل ما له علاقة بالإنسانية والبشرية، وقوانينها الناظمة، فغض العالم كله النظر عن شحنات المخدرات التي يصدرها النظام، وكأنها شحنات من القمح والشعير، رغم أن أجهزة الأمن العربية والعالمية تضبطها وتعرف مصدرها يوحي بأن هذا العالم رفع شعاره لا أرى لا أسمع لا أتكلم تجاه ما يفعله هذا النظام، ومع هذا كله تطالب الأمم المتحدة عبر وسيطها الدولي غير بيدرسون بالتعاون والتطبيع مع النظام السوري، بل وقدمت نفسها على أنها في طليعة المطبعين يوم نقلت مكاتبها الإغاثية من المدن التركية إلى مناطق تحت سيطرة الأسد، وشجعت الأنظمة العربية على التطبيع تحت سياسة ما وصفتها بالخطوة خطوة، وهو ما رفضتها المعارضة السورية، وتخلت بعض الدول العربية عنها بعد أن رأت أن خطواتها تجاه النظام يقابلها الأخير، بخطوات إلى الوراء.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة الشرق

إقرأ أيضا

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.