في ذكرى الثورة السورية

في ذكرى الثورة السورية
  قراءة

سبقت الثورة السورية مرحلة مهمة، لا بد من العودة إليها من أجل تحليل طبيعة عمل المعارضة الداخلية في حينه، وطبيعة التفاعل الشعبي معها، بغرض تبيان تأثير ودور هذه المرحلة التي اتسمت بتقييدات أمنية هائلة، تحاصر جميع الأنشطة السياسية والاجتماعية والثقافية، ذات الطابع المعارض، أو المختلف، والمغاير لما يروّجه النظام الحاكم.

إذ يمكن وصف جميع المحاولات الاحتجاجية المعارضة في تلك المرحلة بالخلاقة، وإن كانت أهدافها المعلنة محدّدة، وسيلة للتحايل على قبضة النظام الأمنية؛ مثل النضال من أجل حقوق المرأة والطفل، وحقوق الأكراد السياسية والثقافية، حرية الإعلام والتعبير والعمل السياسي، معارضة الانفتاح الاقتصادي المتسارع في ظل حكم الأسد الابن، والتحذير من تبعاته الكارثية على المجتمع والاقتصاد السوريين، المطالبة برفع حالة الطوارئ، فصل السلطات، وقضايا تفصيلية يومية وقانونية وسياسية أساسية كانت بمثابة إعلانٍ عن رفض مجمل سياسات السلطة الحاكمة وتوجهاتها، وتحميلها كامل مسؤولية الانهيار الاقتصادي والثقافي والسياسي. 

لكنها ظلت مطالب فئوية صغيرة ونخبوية عمومًا، على الرغم من أهميتها، بسبب قيود ووحشية النظام التي قطعت جميع سبل التواصل مع الشعب، عبر البيانات أو المحاضرات أو الإعلام، وهو ما حدّ من توسع رقعة الاحتجاجات أو الأنشطة المرافقة؛ التي كانت تشهد حضورًا أمنيًّا كثيفًا، يفوق أعداد المحتجين بأكثر من ثلاثة أضعاف، كما أدى إلى تذييل العرائض الاحتجاجية بالأسماء نفسها مهما كانت القضية؛ نسوية، كردية،...إلخ، حتى أصبحت أسماؤهم معلومةً ومحفوظةً لدى جميع الفروع الأمنية. وبالتالي، تطلبت معارضة النظام السوري، في تلك المرحلة، شجاعة كبيرة والجرأة على الإشهار، وعزيمة وإصرارًا من أجل المعرفة والبحث العلمي في أسباب التخلف والدمار والاستبداد، وصبرًا وتحمّلًا لتجاوزات القوى الأمنية، وتدخلاتها السافرة في جميع تفاصيل الحياة اليومية، من العمل إلى السفر، وأحيانًا حتى الزواج؛ طبعًا إذا ما استثنينا الاعتقال والإهانة والضرب، وتبعات النبذ الاجتماعي نتيجة تخوف المجتمع من تحمل تبعات التعامل مع المعارضين، ونتيجة نجاح النظام في حرف وعي المجتمع، وتصوير المعارضين له عملاء للخارج، أو مهووسين بحب الظهور والاختلاف والاعتراض الأجوف والعبثي.

وعليه، اتسمت المعارضة، قبل الثورة، بالندّية والعلنية، على الرغم من محدودية أعدادها، لأنها كانت صرخات ترفض الاستسلام، وتسعى إلى بث بذور الخوف داخل قلب النظام، وتحاول الحفاظ على الأمل بغد مشرقٍ ومختلف، كان يراه بعضهم عبر التدخل الخارجي؛ وهم ممن اندفعوا سريعًا بعد الثورة إلى استجدائه، واللهاث خلفه، وترويج حتميته، واستحالة التغيير من دونه، وإشاعة الأخبار التي يعتقدون أنها تمهد الطريق لحدوثه. كما لم يخل الوسط المعارض من بعض الدخلاء من أصحاب الأجندات الخاصة الذين يتربصون أي تغييرٍ في العلاقات الدولية، أو في داخل النظام، يؤهلهم لتبوّء مناصب حكومية هامشية، ونيل حصة مقبولة من مكتسباته المادية الفاسدة، وهم ممن رفض الثورة، ودافع عن النظام، داعيًا إلى إصلاحاتٍ شكليةٍ فقط، لا تمس العصابة الحاكمة، وفي مقدمتها شخص الرئيس. وهناك من كان يؤمن بالتغيير الشعبي، ويحلم به، ويعمل من أجله، وهم من أوائل المنضمين للثورة، والمنخرطين في غالبية فعالياتها ونشاطاتها، وهم ممن حاولوا التعبير عن صوت الشارع، وتسييس مطالبه، لذا خاضوا الثورة بجميع تفاصيلها.

لا يعنينا الآن التعمق في توجهات المعولين على الخارج، أو الساعين إلى مشاركة الأسد في حكم سوريا، نظرًا إلى حجم الكتابات والتحليلات الكبيرة والكثيرة التي تناولت هذه الفئات تحديدًا، بقدر ما يعنينا تناول المجموعة الأخيرة من المجموعات المعارضة التي اعتادت على مواجهة النظام من الثورة، لأنهم من المؤمنين بقدرات الحركة الشعبية وإمكاناتها على التغيير، وهو ما دفعهم إلى الانخراط في الثورة منذ يومها الأول، بكل جرأة وحماسة وإخلاص. إذ حاولوا قولبة الثورة السورية، وفق تفاصيل الثورتين التونسية والمصرية، وخصوصًا الأخيرة، معتقدين أنهم بذلك يخطون درب الانتصار السوري، فقد اعتقدوا، في حينه، أن إسقاط رأسي النظامين، التونسي والمصري، هو انتصار الثورة، وبأن الثورة السورية يجب أن تحاكي هاتين التجربتين حتى تتمكن من إسقاط الأسد. فغابت عنهم مفاهيم الدولة العميقة، وتأثير التباينات الشكلية والجوهرية بين بنية النظام الأسدي والنظام المصري، أو بين الخبرات السياسية والنضالية الشعبية السورية شبه المعدومة، وبين نظيرتها المصرية التي تمكّنت على وقع انتفاضة 1977 من انتزاع بعض المكتسبات النضالية، وإن كانت محدودة، وهو ما كان ينعكس في العمل النقابي، وحركة الإضرابات العمالية والطلابية والمهنية الدورية شبه الأسبوعية، إن لم نقل شبه اليومية.

لقد خبرت المعارضة السورية، عبر نضالها الطويل من خلال مواجهة آلة القمع والاستبداد الأسدية، حجم تماسك بنى النظام الأمنية والاقتصادية والسياسية وتداخلها، حتى يكاد يصعب الفصل بين أي منها، وهي نتيجة قناعة النظام بقدرته على أسر المجتمع السوري، وتكبيله سنوات عديدة مقبلة، لذا كانت الثورة بمثابة الصدمة والصفعة التي وضعته أمام خيارين، لا ثالث لهما، إما البقاء كتلة واحدة عبر تجاوز الثورة وهزيمتها، أو السقوط المدوي والنهائي. وعليه، لم يتمكّن النظام السوري من التحايل على الحركة الثورية، عبر إحداث تغييراتٍ تلامس مطالب الشارع، ولا تمس جوهر بنيته الحاكمة، كما حدث في مصر إبّان تنحّي حسني مبارك، بل كان صدامًا مباشرًا ودمويًّا عنيفًا، ولا هوادة فيه، في ظل دعم المجتمع الدولي وصمته عن هذا النظام.

وعليه، كان من الخطأ ترويج إمكانية خرق بنية النظام سريعًا، عبر تنحّي الأسد، أو إبعاده على وقع الاحتجاجات الثورية، كما حدث في مصر؛ بدلاً من تأسيس حركةٍ ثوريةٍ طويلة الأمد، ومتشعبة ومتعددة الأقطاب، مستفيدين من قوة الزخم الشعبي، ومن وعيه الذي اكتسبه عبر ممارسته الحالية، تقوم على تعرية النظام وتفكيكه، وتحليل بنيته وعلاقاته، وأسباب تماسكه وأسباب وحدة مصيره، وتعزّز انخراط الناشطين والمثقفين الجذريين وتفاعلهم مع الحركة الشعبية ومطالبها، من أجل تطويرها أو تأطيرها، كي تصبح عماد برنامج الثورة السياسي الذي يحرّكها وينظم عملها، ويحميها من الانتهازيين والمتسلقين. وهو ما فشلنا جميعا في تحقيقه حتى الآن، لكننا ما زلنا مطالبين بذلك، تقديرًا واحترامًا لتضحيات جميع السوريين الأحرار، والتزامًا بأهدافنا وتطلعاتنا العادلة والمحقّة، وإكرامًا للأرض السورية، وإخلاصًا للمواظبين على الخط الثوري الوطني والإنساني في درعا وإدلب ودمشق والسويداء، وسائر المدن والبلدات السورية المحتلة من قوى داخلية وخارجية.

بقلم: 
حيّان جابر
المصدر: 
العربي الجديد


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات