بوتين يلوّح بالانقلاب على شركاء أستانة

بوتين يلوّح بالانقلاب على شركاء أستانة
  قراءة

أتى إعلان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم 28 فبراير/ شباط الماضي، عن نيته تشكيل "آلية دولية" بمشاركة جميع القوى المنخرطة في الصراع السوري، "لتطبيع الأوضاع في سوريا بعد استكمال القضاء على تنظيم داعش"، تعبيرًا عن استعداده للانقلاب على شريكيه في مسار أستانا، تركيا وإيران، بتشكيل آليةٍ تشرك آخرين في إدارة الملف السوري وحله تضعف دورهما، وتقلّص نفوذهما في سوريا، ما لم يتقيدا بالمحدّدات الروسية. لم يفاجئ الإعلان شريكي بوتين فقط، بل فاجأ الولايات المتحدة ودولًا في الاتحاد الأوروبي؛ في ضوء تركيز التصريحات الروسية المستمر على نجاح مسار أستانا، وتحقيقه تقدمًا على طريق وقف القتال، بما في ذلك الاتفاق على مخرجٍ للوضع في إدلب، اتفق عليه في قمة سوتشي أخيرًا باعتماد "آلية الخطوة خطوة، لاستعادة إدلب من التنظيمات الإرهابية"، وتوفيره (مسار أستانا) مناخًا للولوج في خطواتٍ سياسيةٍ للحل، وفق تصريحات وزير خارجيته، سيرغي لافروف، ونائب الوزير سيرغي فيرسيشين، والناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، وترويجها متانة العلاقات، واستمرار التعاون والعمل المشترك.

جاء إعلان بوتين على خلفية الاستياء من توجهات شريكيه، وعملهما، كلٌ لاعتباراته الخاصة، لإجهاض تصوراته وخطواته في إدارة الملف السوري التي يريد لها أن تخدم مفاوضاته مع الولايات المتحدة حول دور روسيا في العالم، وحصتها من النفوذ الدولي، وتحرّكهما خارج نطاق التفاهمات المشتركة، وبحثهما عن اتفاقات وحلول تخدم مصالحهما، حتى لو أضرّت بمصالح شريكهما الروسي. لم يكتف الشريك الإيراني بخرق التزاماته السابقة، بالابتعاد عن خط جبهة الجولان السوري المحتل، وعن الحدود الأردنية، بتجنيده أبناء المنطقة في ميليشيات مسلحة، وإنشاء قواعد عسكرية في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، والانتشار في مواقع قوات النظام بين صفوفها وبلباسها، وتكرار إعلاناته المتوعدة إسرائيل، عبر تصريحات رئيس مكتب الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، حول تفعيل عملية ردع إسرائيل، وجنرالات الحرس الثوري حول محو مدن إسرائيلية بدقائق.. بل ودخلت في سباقٍ مع قوات للنظام قريبة من روسيا على السيطرة على المواقع، في ريفي حماة وإدلب قرب خطوط التماس مع قوات المعارضة، ودفعه هذه القوات لخرق اتفاق سوتشي، الخاص بمنطقة خفض التصعيد في إدلب الذي اتفقت عليه روسيا وتركيا... فضلًا عمّا أعلن من مواقف مذهبية خلال زيارة رئيس النظام بشار الأسد طهران واجتماعه بالمرشد والرئيس الإيرانيين، وقول المرشد "ينبغي تطوير العلاقات المذهبية وزيارات متبادلة لعلماء إيران وسورية"، وتأكيد رئيس النظام على ذلك، بقوله "العلاقات المذهبية تشكل فرصةً مهمةً لمواجهة التيارات التكفيرية"؛ واعتبار الرئيس الإيراني "الجذور والقواسم الدینیة والثقافیة المشتركة بأنها مصدر لتلاحم الشعبین". كل هذا وضع روسيا في موقفٍ حرج مع الدول العربية، خصوصًا الخليجية التي تسعى موسكو إلى استدراجها إلى المساهمة بتمويل إعادة الإعمار، لأنه وضعها في محور مذهبي مضاد لها، من دون أن ننسى الأثر السلبي للعقود الاقتصادية والاستثمارية الكبيرة التي فرضتها إيران على النظام السوري.

لم يتوانَ الشريك التركي عن تجاهل تفاهماته مع روسيا، عبر عدم تنفيذه بنودًا في اتفاق سوتشي: الفصل بين الفصائل المعتدلة والمتطرّفة؛ تسيير دوريات روسية تركية في المنطقة العازلة؛ فتح طريقي حلب دمشق وحلب اللاذقية، ودفعه قوات "الجبهة الوطنية للتحرير" للرد على قصف قوات النظام مدن وبلدات ريف إدلب الشرقي، ناهيك عن رفضه اقتراحاتٍ للشريك الروسي، مثل فكرة مشاركة شرطة عسكرية روسية في إنشاء المنطقة الأمنية على الحدود السورية التركية، وهي رغبة روسية مرتبطة بالصراع مع الولايات المتحدة، ومنعها من تكريس وجودها في شرق الفرات، تحت غطاء تحالف دولي، غربي بالأساس، لحماية المنطقة الأمنية، وعمله (الشريك التركي) على إنجاز تفاهم منفرد مع الإدارة الأمريكية حول منطقتي منبج وشرق الفرات واتهامه موسكو بعرقلة التفاهم مع واشنطن حول شرق الفرات.

أعطت المواقف والتحرّكات السابقة انطباعًا واضحًا عن ضعف شراكة ثلاثي أستانا وهشاشتها، ما منح الإدارة الأمريكية فرصاً لتجاهل الدعوات الروسية إلى الحوار حول الملفات الثنائية العالقة بينهما، من أوكرانيا إلى معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى، مرورًا بجورجيا وقانون ماغنيتسكي والعقوبات الاقتصادية، والتنسيق في مواجهة الإرهاب والتفاهم على التعاطي مع الملفات الدولية الساخنة. هذا ما عكسته المواقف الأميركية أخيرًا من الإبقاء على أربعمائة جندي أمريكي من الوحدات الخاصة على الأراضي السورية، مائتين في قاعدة التنف على الحدود السورية العراقية الأردنية ومائتين شرق الفرات، وتجاهلها دعواتٍ روسيةً متكرّرة لسحب القوات الأمريكية من سوريا، كون وجودها غير شرعي، وفق موسكو، ولدعواتها إلى إخلاء مخيم الركبان الواقع في نطاق منطقة الـ 55 كيلومترًا المحدّدة لقاعدة التنف، ورفض دعوتها إلى تمكين النظام من السيطرة على منطقة شرق الفرات التي ستنسحب منها القوات الأمريكية، إذ أعلن المبعوث الأمريكي إلى سوريا، السفير جيمس جيفري، "لن نسمح بعودة قوات الأسد إلى الأماكن التي سننسحب منها"، وإبلاغ مبعوثين أمريكيين محاوريهم من الأتراك والمعارضين السوريين أن من شأن سيطرة الروس والإيرانيين والنظام على إدلب وشمال شرقي سوريا أن تدفن الحل السياسي نهائيًّا، وتحفّظها المعلن على قيام النظام السوري وحلفائه، الروس والإيرانيين، بمهاجمة إدلب. كرّر المندوب الأمريكي في الوكالة لدى الأمم المتحدة، جوناثان كوهين، الموقف نفسه يوم 26 فبراير/ شباط بقوله "إن اتفاق وقف إطلاق النار بإدلب السورية الذي توصلت إليه موسكو وأنقرة يحمل أهمية كبيرة لحماية ثلاثة ملايين مدني، وحدود حليفتنا في الناتو تركيا".

لم يكن الإعلان الروسي عن نية تشكيل "آلية دولية" للتعاطي مع الملف السوري الموقف الوحيد الذي عبر عن انزعاج موسكو من شريكي أستانا، إذ أكدت تصريحاتٌ روسيةٌ متعدّدة عدم رضاها عن تنفيذ تركيا بنود اتفاق سوتشي بشأن إدلب، بدءًا من التصريح عن تحول إدلب إلى "تجمع للإرهابيين"، وعدم إمكانية الصبر على وجودهم إلى ما لا نهاية، وفق تصريح وزير الخارجية، سيرغي لافروف، وصولًا إلى التحذير من "التعويل على عقد صفقات مع الإرهابيين" الذي أطلقة الناطق باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، في تلميحٍ إلى محاولات تركيا التفاهم مع هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقًا، ورفض نشر قوات تركية على الحدود المشتركة مع سوريا، وفق تصريح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرسيشين، بالنسبة لتركيا، وتبنّي موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من مواصلة العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الوجود الإيراني على الأراضي السورية؛ والاتفاق معه على تشكيل مجموعةٍ دوليةٍ تعمل على إخراج القوات الأجنبية من سورية، الإيرانية خصوصًا. اعتبرت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية الاتفاق ردًّا على "الزيارة غير المتفق عليها التي قام بها الرئيس السوري، بشار الأسد، إلى طهران"، ووصفتها بأنها "ضربةً حقيقية للكرملين"، خصوصًا أنه لم يلتق هناك مع الرئيس حسن روحاني فحسب، وإنما أيضًا مع المرشد الأعلى، علي خامنئي، بغياب وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، مقابل حضور اللواء قاسم سليماني، الذي وصفته بأنّه "الشخصية الأكثر نفوذًا في الحرس الثوري الإيراني".

وربطت تقديراتٌ سياسيةٌ استياء موسكو من الزيارة بما كشفت عنه من تغيّر في أولويات إيران على الساحة السورية من مواجهة إسرائيل إلى محاربة الوجود الأمريكي، وقد تجلى ذلك في مهاجمة خامنئي المنطقة الأمنية، والوجود الأمريكي على الحدود العراقية، والدعوة إلى رفضهما ومقاومتهما بشدة، وما قد يثيره ذلك من تحولاتٍ ميدانيةٍ أقلها تخلي واشنطن عن قرار سحب قواتها من سوريا، بالنسبة لإيران.

نقطة الافتراق الرئيسة بين شركاء أستانا مرتبطةٌ بمحدّدات كل منهم وطبيعة تصوراته الإستراتيجية لتأمين مصالح بلاده وحمايتها، فلكل من تركيا وإيران مصالح في جوارها الإقليمي، بما في ذلك الأرض السورية، ما جعل تصوّراتها وإستراتيجيتها تركز على معطيات الإقليم وتوازناته واحتمالاته. أولوية تركيا الملف الكردي وأولوية إيران بقاء النظام السوري ورئيسه، في حين أن لروسيا استراتيجية دولية، ما يجعل حساباتها واسعة ومتعددة المداخل والمخارج، في ضوء سياسة الربط بين الملفات التي تعرفها إدارة الصراعات الدولية. وهذا يجعل خياراتها السورية تتجاوز مجرّد بقاء رأس النظام، ومحيطه العسكري والأمني إلى تحويل سوريا إلى خط دفاع في وجه التحركات الغربية عامة، والأمريكية خاصة. وهذا قاد إلى تعارض الحسابات والمقاربات بينها وبين شركائها في مسار أستانا، وأسس للافتراق، ولو بعد حين.

بقلم: 
علي العبدالله
المصدر: 
العربي الجديد


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات