ساعات مع الرائد جميل الصالح

ساعات مع الرائد جميل الصالح
  قراءة

شكَّل الضابط المنشق الرائد جميل الصالح، قائد "جيش العزة" حالة استثنائية وفريدة وسط آلاف الضباط المنشقين من جيش العصابة الأسدية، فلم يدخل في خلاف أو قتال فصائلي، وظلت حاضنته الاجتماعية قوية، نظرًا لوجوده في منطقة ينتمي إليها بمدينة اللطامنة بريف حماة، وهو ما وفّر له عصبية مناطقية مهمة ، وفاؤه لثورته منعه من الخروج حتى من اللطامنة لتركيا إلا لأيام معدودة ليعود إليها، وهي التي احتضنته منذ عام 1975 حين ولد فيها، لينضم إلى الجيش السوري، كضابط متطوع فيه.

زرت الرائد جميل الصالح لساعات، وهو من الشخصيات النادرة والقليلة التوافقية التي أجمع عليها السوريون، قوة وشكيمة عسكرية، وتصميم على مبادئ الثورة، تلمح ذلك من أول لقاء تلتقيه، فرأيته في غاية التواضع، وهو الذي تعرضت منطقته اللطامنة بريف حماة إلى تسونامي أسدي ، فالمدينة التي تضم أكثر من 35 ألف شخص، لم يعد فيها اليوم إلا البوم والغربان الذين خلفهم الاحتلال وذيله، نتيجة القصف الهجمي البربري.

فقلما تجد بيتًا أو محلًا أو مدرسة أو مشفى لم يدمّر، أو لم يصب بأذى، كانت البلدة التي بدت جميلة في شكلها العام تقع بين بساتين من أشجار الزيتون والأراضي الخضراء الغناء بالحبوب ونحوها من المزروعات، قد اجتاحها زلزال فلم يبق على شيء في داخلها، لكنه أبقى على كرامة وعزة تتوزع على بلدان كثيرة، حيث مقاتلو "جيش العزة"، ومعهم مقاتلون من أطراف حماة، وحتى من حمص ينتشرون في كل المنطقة لصد عدوان جديد قد يتهدد المنطقة من قِبَل الاحتلال وذيله.

استقبلنا الرائد جميل الصالح ليجيب عن أسئلتنا الإعلامية بكل أريحية، فكان الحديث عن سبب انضمامه إلى الجيش السوري تطوعًا، فروى لنا عن إحدى سيدات الحي حين سمعت عن انضمامه إليه، فبادرته بسؤالها، هل أبوك التاجر لم يبق معه مال تعيش منه حتى تنضم إلى الجيش، لقد كانت نظرة الناس للانضمام إلى الجيش حتى وقت قريب أن من ينضم إليه هو فقير بحاجة للمال، وهو ما تسبب بتفرّد الأقلية العلوية بهذه المؤسسة الحساسة، لكن لوالد جميل الصالح التاجر المعروف رأي آخر، حيث كان يريد من نجله، ومنذ الصغر، الانضمام إلى المؤسسة العسكرية، فحرضه على الالتحاق بها، وذلك من أجل خلخلة توازن طائفي يحكم هذه المؤسسة منذ عقود، فكان له إلى أن غدا رائدًا فيها، لينشق عنها مع بداية الثورة السورية.

يدير جميل الصالح "جيش العزة" الذي يقوده كأب، فحين تجوالنا معه على نقاط الرباط، يسأل كل واحد منهم عن حاله، أو عن أبيه، أو عن أسرته وعائلته، وربما سأل عن تفاصيل التفاصيل من حياته، ليختم السؤال هل تريد شيئًا؟ هل لك حاجة؟ لقد تجولنا على نقاط الرباط حيث أدهشنا بحجم العمل العسكري الذي أعده من أنفاق، وتفرعات للأنفاق، ومشافٍ في بطن الجبال، ليقول لنا بعدها، لقد أعددنا ما استطعنا للعدوان، فهذه الأرض لنا، ولن نخرج منها.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب




تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات