استراتيجية الاحتلال لقضم قدرات "حماس" بلا حرب شاملة

 استراتيجية الاحتلال لقضم قدرات "حماس" بلا حرب شاملة
  قراءة

مثّل نمط تعاطي جيش الاحتلال مع حركة "حماس"، منذ انتهاء الحرب التي شنّها على غزة، في صيف 2014، الصورة الأوضح التي جسّدت تطبيق استراتيجية "المواجهة بين الحروب"، المعتمدة في المواجهة، والقائمة على مواصلة قضم قدراتها العسكرية من أجل إضعافها لضمان تعزيز مكانته في أي حرب مستقبلية.
وإذا كان جيش الاحتلال يعتمد هذه الاستراتيجية مع "حزب الله" أيضًا، من خلال ضرب ما يدّعي أنها "شحنات ومخازن سلاح تعود للحزب في سوريا"، فإن كثافة العمليات التي ينفِّذها جيش الاحتلال في إطار هذه الاستراتيجية ضد حركة "حماس" كبيرة جدًا. ويمثّل تكثيف العمليات التي تستهدف قضم قدرات "حماس" العسكرية تطبيقًا لأحد أهم استخلاصات حرب 2014، فكلٌ من "مراقب الدولة" ولجان التحقيق التي شكَّلها "الكنيست" للتحقيق في مظاهر القصور الإسرائيلي خلال الحرب، تشير إلى أن "السماح بامتلاك (حماس) ترسانة كبيرة من الصواريخ، هو الذي أفضى إلى إطالة أمد الحرب لتصل إلى 51 يومًا". وهي أطول حرب تخوضها إسرائيل منذ انتهاء حرب 1948.

ويمرّ تطبيق استراتيجية "المواجهة بين الحروب" ضد حماس في خطوتين أساسيتين، وهما: جمع معلومات استخبارية حول المقدرات العسكرية التي راكمتها الحركة بوسائل مختلفة، والاعتماد على الحجج لتبرير ضرب هذه المقدرات. فإسرائيل غير معنية في أن تظهر كمن يبادر لشنّ عمليات عسكرية في القطاع تسوغ لحركة "حماس" الرد عليها. فعلى سبيل المثال تستغل إسرائيل أية عملية إطلاق قذائف صاروخية للمجموعات الصغيرة داخل القطاع وتقوم بالرد بضرب أهداف لحركة حماس، بحجة أن "حركة (حماس) هي التي تمثل سلطة الأمر الواقع في القطاع، وتمثّل العنوان الذي يتوجب أن تجبي إسرائيل منه الثمن".

ومن المفارقة أن بعض جماعات السلفية الجهادية، التي هي في حالة عداء مع (حماس)، تقوم بإطلاق بعض القذائف الصاروخية على محيط قطاع غزة فتسقط في مناطق خالية، فيكون الرد الإسرائيلي باستهداف مقدرات "حماس" العسكرية. وهناك ما يدل على أنه في بعض الأحيان وعندما تحصل إسرائيل على معلومات استخبارية "ثمينة" حول مخازن لسلاح نوعي تملكه "حماس"، فإن إسرائيل تلجأ إلى الادّعاء بأن "أهدافها تعرضت للهجوم"، وذلك لتبرير ضرب الأهداف التي توفرت لديها معلومات بشأنها.

وفي حال لم يتزامن حصول إسرائيل على معلومات استخبارية مع عمل تقوم به هذه المجموعة الفلسطينية أو تلك، فإن جيش الاحتلال يدّعي تعرض قواته لهجوم لتسويغ العمل العسكري، من دون أن يكون من الممكن التحقق من مزاعمه.

وعُدّت أحداث، مساء السبت، دليلًا على التكتيك الإسرائيلي، إذ إنه قد تم تفجير عبوة ناسفة ضد إحدى الدوريات الإسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة، لم تنجم عنه أية إصابات، مع أن مصادر فلسطينية نفت أن تكون منطقة الحدود قد شهدت مثل هذا التفجير. وبعض ساعات قليلة شنّ جيش الاحتلال غارات واسعة ضد أهداف قال إنها "تمثّل مخازن لصواريخ بعيدة المدى لحركة "حماس" في المنطقة الوسطى من القطاع".

مع العلم أنه حتى خلال فترات الهُدن واتفاقات وقف إطلاق النار التي تتوصل إليها حركة "حماس" وإسرائيل أثناء الحروب، فإن جيش الاحتلال لا يتردد في حال حصل على معلومات "ثمينة" في تسويغ خرق الهدنة من أجل استغلال هذه المعلومات من خلال الزعم بأن حركة "حماس" هي من شرع في الخرق.

ففي التاسع من أغسطس/آب 2014، وأثناء الحرب على غزة، تم الاتفاق على هدنة برعاية مصرية، لكن خلال هذا اليوم حصل جهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية "الشاباك" على معلومات حول مكان تواجد محمد الضيف، القائد العام لـ "كتائب عز الدين القسام"، الجناح العسكري لحركة "حماس". وفي عصر ذلك اليوم ادعى جيش الاحتلال أن حماس قد خرقت الهدنة من خلال إطلاق قذيفة صاروخية باتجاه إسرائيل، وهو ما نفته الحركة. وبعد ساعات من هذا الادعاء أسقطت طائرة عسكرية إسرائيلية من طراز "إف 15 آي" قنبلة تزن نصف طن على عمارة في منطقة "الرمال الجنوبي" غرب مدينة غزة، كان "الضيف" فيها، لكنه نجا من الموت بأعجوبة. وقد علق أحد المستشارين القضائيين السابقين، بأن "إسرائيل فبركت الادعاء حول إطلاق القذيفة المدفعية لكي تنفِّذ محاولة الاغتيال ضد (الضيف)".

بقلم: 
صالح النعامي


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات