"ترامب" إذْ يُنهي حقبة "الكذب وبيع الوهم"

ترامب إذ ينهي حقبة الكذب وبيع الوهم
  قراءة
property="content:encoded">

منذ منتصف التسعينيات، وهناك اعترافٌ أمريكيّ من الكونغرس بأن القدس عاصمةً للكيان الصهيوني، وكل رئيس كان يَعِد بنقل السفارة إلى القدس، لكن أحدًا منهم لم يفعل؛ لأن بيع وهم الحلول كان يمثل اللعبة التي توافق عليها الغرب من أجل تثبيت أركان الكيان، ومن أجل إبعاد الفلسطينيين عن الخيار الحقيقي المجدي في مواجهة الاحتلال ممثلًا في المقاومة.

الآن، يأتي رئيسٌ من نوع مختلف بإجماع أهل السياسة. رئيس من خارج دوائر السياسة، لكن من قلب ميدان المجاملة والحب للكيان الصهيوني؛ ولأنه يتخبط في الأزمات، كان عليه أن يخطب ود اليمين المسيحي، واليمين الصهيوني عبر هذه الخطوة، وتزامن ذلك مع وجود رئيس وزراء مأزوم في تل أبيب، تطارده تهم الفساد، ويريد بيع إنجاز تاريخي على مجتمعه، فيما يعلم الجميع أن المؤسسة الأمنية والعسكرية الصهيونية لم تكن راغبة في هذا القرار، خشية التداعيات.

ما جرى إذن لا يعدو أن يكون خطوة رمزية لا تغير في حقيقة الواقع شيئًا، فالصهاينة لم يكونوا في أي يوم على استعداد للتنازل عن القدس، والأمريكان لم يكونوا ليجبروهم على شيء في هذا الاتجاه.

من لديه شك في ذلك، فعليه استعادة سيرة المفاوضات طوال عقود، قبل كامب ديفيد؛ صيف العام 2000، وبعدها. ففي كامب ديفيد كانت قضية القدس الشرقية والمسجد الأقصى هي التي أفشلت المفاوضات. وفي المفاوضات مع "أولمرت" و"ليفني" في العهد التالي، حدث الشيء ذاته. وللتذكير فقط، حين قال صائب عريقات في إحدى جولات التفاوض التي كُشفت وثائقها لاحقًا لـ"ليفني": "اليوم أعرض عليك أكبر أورشليم في تاريخ الشعب اليهودي"، ردَّت عليه بصلف قائلةً إن القدس خارج دائرة التفاوض.

الأكثر أهمية في خطوة "ترامب" الجديدة هو أنها تأتي ونحن نواجه المؤامرة الأخطر لتصفية القضية الفلسطينية، عبر ما يسمى "صفقة القرن"، والذي لا يعدو تطبيقًا لمشروع "الحل الانتقالي بعيد المدى" الذي أخرجه شارون عام 2000، ومن ثم أصبح الحل الوحيد المعتمد في الكيان، بمسميات مختلفة ("دولة مؤقتة" بتعبير الهالك بيريز، و"السلام الاقتصادي" كما يسميه نتنياهو).

المصيبة الجديدة أن هذا الحل يأتي بقوة دفع عربية تَعِد الصهاينة بتطبيع واسع النطاق، فيما يعرف الجميع أنه حل يستبعد القدس واللاجئين والسيادة، بل حتى نصف الضفة الغربية أيضًا، من دون القول إنه حل نهائي، فيما يعلم الجميع أنه كذلك، وإن أبقى الصراع بوصفه نزاعًا حدوديًّا لا أكثر، وفي السياق تمت إضافة مشروع آخر يتمثل في ربط هذا الحكم الذاتي بفيدرالية مع الأردن؛ في تطبيق لمشروع الوطن البديل، أي أنه تصفية للقضية وتهديد للأردن في آن واحد.

من هنا كان الخلاف كبيرًا في الأوساط الصهيونية حول جدوى الخطوة الجديدة، ليس فقط لجهة الخشية من انفجار الوضع في الساحة الفلسطينية، بل أيضًا لجهة تخريب أجواء “صفقة القرن”، وإحراج العرب الذين يقبلونها أو يروجونها، أو يضغطون من أجل تمريرها.
ولكن ماذا عن المواقف العربية التي كانت تساند "خطة ترامب"، وماذا عن الآخرين أيضًا، ثم وهو الأهم، ماذا عن موقف القيادة الفلسطينية التي كانت ترفض الخطة المذكورة؟

ليس لدينا الكثير من الأمل في المواقف العربية الرسمية، كأن تُسحب المبادرة العربية من التداول، أو تتم إدانة كل أشكال التطبيع مع الكيان، لكن الحد الأدنى الذي نرجوه هو أن يتم تجاوز "خطة ترامب"، ورفض التعاون مع مساعيه لدفن القضية، وعلى من يصرون على مواصلة هذه اللعبة أن يواجهوا غضب شعوبهم وغضب جماهير الأمة التي لن تقبل ذلك، وهي لم تكن لتقبله، حتى من دون الخطوة الجديدة.

أما موقف السلطة فهو الأهم، إذ آن أوان إعلانها فشل المسار الذي اختطته منذ العام 2004 ولغاية الآن، ممثلا في التعاون الأمني وتكريس سلطة في خدمة الاحتلال، مع التعويل على التفاوض والضغط الدولي، ولا بد من توافق فلسطيني شامل على انتفاضة في مواجهة الاحتلال، تجعله مكلفًا، وتعلن شعارًا حاسمًا بدحر الاحتلال دون قيد أو شرط، مع تأكيد المصالحة، وجعل السلطة كيانًا إدرايًّا يُدار بالتوافق، بينما يتوحد الجميع في ميدان المقاومة.

يبقى القول إن ما جرى أعاد التأكيد على أن فلسطين ستبقى قضية الأمة المركزية، وأن من يتآمرون عليها لن يحصدوا غير العار والهشيم، وإذا لم ينجح المتآمرون في لجم الغضب الفلسطيني، واندلعت الانتفاضة الشاملة، فإن مسارًا جديدًا سينتظر عموم المنطقة، وربما يساهم في وقف هذا الحريق الذي أنهك الجميع بلا جدوى، وأطلقته الثورة العربية المضادة، وجنون التوسع والهيمنة لمحافظي إيران.

بقلم: 
ياسر الزعاترة


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات