ردًّا على خطاب "الظواهري"..لا مكان لـ"القاعدة" في الثورة السورية

29 نوفمبر 2017 - 17:27

القاعدة تنظيمٌ جهاديٌّ، بدأ في التسعينات من القرن الماضي، وأعلن عن نفسه بأنه في حربٍ مفتوحةٍ ضد "قوى الكفر العالمي"، وعلى رأسها أمريكا، "الطاغوت الأكبر"، وتوالت كلمات زعيمها الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله، مؤكدة على ضرورة استهداف المصالح الأمريكية في كل مكان، وأن أي أمريكي في أي مكان هو هدفٌ مشروعٌ لكل مسلمٍ، وكانت سياسة القاعدة وأدبياتها هو عدم الالتفات إلى الأنظمة الفاسدة العميلة، أو الدخول معها في صراع، لأنها وبحسب نظريتها، إذا سقطت أمريكا فستسقط معها كل "طواغيت العرب" ، وذلك لارتباط وجودها بوجودهم، فهي مَن وضعتهم، وأمَّنت وجودهم، وهي سرُّ بقائهم واستمرارهم،  فالفلسفة التي قامت عليها هو ما قررها زعيمها، وهو موجود مشهور في كلماته التي مازات تَصْدَع في مواقع التواصل، وهي ما كان عليه العمل إلى حين وفاته في 2012، فتركزت جميع عملياتها في حرب أمريكا، قبل أحداث 11 ستمبر/ أيلول وبعدها وكذا الغرب. 

هذه الأدبيات وهذا الجهاد هو جهاد نخبوي، لا يقوم به إلا المجاهدون من النخب، والمؤمنون الخُلَّص الذين تربوا على علم الشريعة والتزام أحكامها، وسعوا إلى إقامتها، فجاهدوا في سبيل ذلك ..

وأما الثورات العربية فقد قامت ضد الحكام الفاسدين، عملاء أمريكا والغرب، دفعًا لظلمهم وطلبًا للحقوق الأساسية من الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية، قامت على غير موعدٍ، نتيجةً للضغوط المتزايدة على كاهل الشعوب، وهي بطبيعهتا مختلفة في سياستها وأدبياتها عن أدبيات القاعدة، أوأي تنظيمٍ جهاديٍّ آخر، فلم تصدر الثورات طلبًا لتحكيم الشريعة، أو إقامة خلافة إسلامية، فليست جهادًا نخبويًا، بل قام بها الصالح والطالح والمسلم والكافر، فليس لها أيديولوجيات، ولا أدبيات، إلا شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، إسقاط النظام الظالم المستبد، واستبداله بنظام يُوفِّي الناس حقوقهم الأساسية مهما كان تَوجُّهه ودينه..

فليس ثَمَّة تقاطع بين الأدبيات الجهادية، والثورات العربية إلا فيما تتقاطع فيه أهداف الثورات مع أصول الشريعة، وإلا في التوجهات الفردية التي تحكم كل فرد، وتميزه عن غيره، كاختلاف عقيدة المسلم عن المسيحي، والتزام البعض بأحكام الدين وعدم التزام البعض الآخر. فروقات فردية أو حزبية لا تؤثر على المسار العام المتوحد في التوجهات الشعبية، والأهداف الثورية، والتي ستحقق جزءًا من مطالب كل فرد، ولن تدرك مطالب الجميع كافراد.

بعد هذه المقدمة، نقول " لا مكان للقاعدة في الثورة السورية" ، نقول هذا لها ولغيرها من التنظيمات والجماعات الجهادية التي تصدر عن أيديولوجيات مختلفة عن طبيعة الثورات، ومن ظهر من الفصائل ممن فيه شيء من هذه الأدبيات، فإننا نُوجِّهه إلى عدم التعامل بها، ونُلزمه بالوقوف حيث وقفت الثورة، وتحت سقف طلباتها، وهو ما نعني به عدم أدلجة الثورات..

وما نقرره هنا، نقرره بعيدًا عن نظرة الآخرين للثوار، وتصنيفهم بالإرهاب أو الاعتدال أو الولاء، فما نقرره هو من منظور شرعيّ وواقعيّ، وهو أن أدلجة الثورة ظلمٌ لها، وتكليف لها بما لا تطيقه، لأنها لم تُعَد لذلك ولم تتربى عليه، وهو منافٍ لسنة التدرج التي سارت عليها الشريعة في تشريع الأحكام والإلزام بها.

فما أجهل الشعوب بالشريعة وأحكامها وصلتها بالتوحيد وأصول الدين والعقيدة، بل ما أبعدها عن هذه الأحكام؟.

فإذا أضفنا إلى ما سبق ما يترتب على وجودها(القاعدة) في الثورة من تبرير للدول المحاربة للقاعدة من تصفية حساباتها على أرض سورية محل الثورة، كان الأمر أشد منعًا وأشد تحريمًا، فليست القضية هنا جهاد دفع أو طلب، فأنت الذى أعلنت الحرب على أمريكا والغرب، وأنت من دخلت في حربٍ مفتوحةٍ معهم، فظهورك في أي مكانٍ لابد أن يكون محل دراسة ونظر، فليست كل أرض تصلح أن تكون ميدانًا لحربك، ولستَ وحدك مَن يقرر هذا الأمر، لأنك لا تملك الأرض ولا تتحكم في مصائر الناس، ومهما اتفقنا أو اختلفنا، فليس تقرير هذا الأمر عداءً لك أو براءة منك، بل أنت الأخ المجاهد في كل مكان، نعينك ونوجهك وندعو لك، ما دمت ملتزمًا بالجهاد الشرعي، الذي لا يترتب عليه مفسدة أعظم من مفسدة تركه؛ فلك حق الأخوة وفضل الجهاد والرباط، وإن كنت مخطئًا، ولكن السياسة الشرعية والمنطق والعقل يقول أن هذا ليس هو المكان المناسب لجهادك..

فإذا ما أضفنا أشياء أخرى تترتب على ظهورك كفصيل ينبثق من رحم فصيل آخر، وجماعة تنشق عن جماعة أخرى، فبالنظر إلى تداعيات حدثٍ كهذا، مِن شق الصف والتراشق بالألفاظ وفتاوى التكفير والاتهام بالتمييع تقضي بكل قوة إلى منع حصول هذا شرعًا وواقعًا، كيف وقد طفحت بعض آثاره على السطح؟

والحقيقة، إن خطاب الشيخ "الظواهري" خطاب دموي باعتبار ما يمكن أن يؤول إليه الوضع إن لم يستدرك الأمر، فهو خطاب يشق الصف ويعمق الفرقة، ويضع أسباب الشقاق بين المجاهدين والثوار، لا سيما أنه يقوم على مبررات واهية، وضعف نظر في العواقب، وكأن الرجل الحكيم تخلى عن حكمته، فكيف له أن يتمسك بييعة تركها أصحابها، لاجتهادهم أن هذا  من مصلحة الساحة، بل مصلحة الجهاد نفسه، وكان الجميع يترقب مثل هذا الحدث وظلوا لسنوات يطالبون به، وأيًّا كانت النتائج فما قيمة بيعة كهذه، وما فائدتها إن كانت تَجرُّ الويلات على شعب مسكين مقهور، شعبٌ يظن أن ارتباط فصيل بتنظيم خارجي معادي للعالم، يعطي المبرر لهذا العالم أن يصب جامَّ غضبه عليه ويتجاهل حقوقه، ويغض النظر عن جرائم وبشائع لم ترتكب من قبل في حق البشر، ومهما قلنا إن الغرض من ترك البيعة وفك الارتباط لم يتم، فليست العبرة بهذه النتائج بقدر ما يحدث من استجابة وانسجام بين جميع كيانات الشعب السوري من ترك البيعة ..

كيف للشيخ الوقور أن يتمسك بأمرٍ غايته أن يسقط بالعجز، ولو بقي على أصله فهو حرام، ليس أعظم حرمة من سفك الدم الحرام، والتكفير بغير حق والفرقة والشقاق بين المجاهدين، أم لأن الفرقة حاصلة والشقاق حاصل والاقتتال حاصل فلن يضر أن تضيف إليها المزيد 
هل هذه حكمة ، أم هل هذه بصيرة وحسن نظر في العواقب؟

نأمل من الشيخ الظواهري أن يكون عن عهدنا به، يستدرك الأمر قبل أن نُفجع في إخواننا، ونحن نراهم مُسجين على الأرض تنزف دماؤهم، بسبب مثل هذه الخطابات غير المسؤولة، ونأمل من إخواننا أتباع التنظيم أن يبقوا على عهدهم مع إخوانهم، لا ينشقوا ولا يتميزوا عنهم، فالجهاد باقٍ ومستمرٌ سواء كان ببيعة أو بغير بيعة، وإن ترك البيعة بحسب ما يتراءى لجميع العقلاء والشرعيين ليس أمرًا محرمًا بحسب ما تحيطه من أحداث، بل قد يكون  واجبًا شرعيًا، ولا ينفع أن يعارض هذا بالنصوص المجردة في حرمة نكث البيعة وخلف العهود، فليس الأمر من هذا الباب، فلكل حكم شرعي شروطه وموانعه وأسبابه، وعوارضه، والمفتي يفتي عالمًا بأمرين :
الأول: الحكم الشرعي: التكليفي والوضعي( أسبابه، وشروطه، وموانعه، والرخصة، والعزيمة) 
الثاني: الواقع. وتأثيره على مدى نفاذ الحكم، وعجز المكلف، وما يترتب على التزام الحكم من مفاسد ومصالح قد تمنع من الالتزام بالحكم كليًّا أو جزئيًّا. 

والأمر في النهاية اجتهادٌ، فمن ترك البيعة اجتهد ونظر في مصلحة الجهاد والساحة ووافقه على ذلك جميع من في الساحة من شرعيين ووجهاء وخبراء وجهاديين..فلا حكم بالخيانة والغدر، ولا بنكث البيعة وإخلاف العهد، كل هذا غير صحيح، وتعصب لا داعي له وهو نقص من رصيد رجل وصفناه بأنه "حكيم".

وأخيرًا فقد أجاد الدكتور خالد الماوردي حفظه الله، في بيان خطر ظهور أي فصيل جهادي في الساحة السورية، وذلك في مقال جميل تحت عنوان :بوادر ظهور جماعة جهادية جديدة في سوريا.

بقلم: 
عادل باشا