السباق العسكري للوصول إلى دير الزور

السباق العسكري للوصول إلى دير الزور
  قراءة

تكتسب محافظة دير الزور السورية الواقعة في الجهة الشرقية من سوريا، والتي تخضع أجزاء كبيرة منها لسيطرة تنظيم الدولة أهمية استراتيجية بالغة لجميع الأطراف، والمقصود بالأطراف هنا: الجيش السوري الحر الذي دخل الحدود الإدارية للمحافظة من الجهة الجنوبية، وميليشيات سوريا الديمقراطية التي هي الأخرى دخلت الحدود الإدارية من الجهة الغربية، كما أنها تعتبر مطمعًا لقوات النظام والميليشيات الإيرانية، بالإضافة لميليشيات الحشد الشعبي العراقية.

محافظة دير الزور التي بدأ تنظيم الدولة بالتفكير بنقل عاصمته العسكرية والإدارية إليها، بعد الهجمات التي تتعرض لها مدينة الرقة من قبل ميليشيات سوريا الديمقراطية المدعومة من أمريكا، واحتمالية سقوطها أو حصارها بشكل كامل دفع التنظيم لنقل العديد من مكاتبه وقاداته مع عائلاتهم من الرقة إلى دير الزور أواخر الشهر الماضي، نيسان/أبريل، بحسب ما أكدت مصادر أمريكية.

قناة "فوكس نيوز الأمريكية":  تنظيم الدولة ينوي نقل عاصمته من الرقة إلى دير الزور بسبب الهجوم الذي تشهده المدينة والحصار شبه الكامل المفروض عليها 

فوكس نيوز : طائرات أمريكية من دون طيار رصدت انتقالًا شاملًا لمسؤولي "التنظيم" من الرقة إلى مدينة الميادين في محافظة دير الزور.

وفي هذه الأثناء بدأت قوات الجيش السوري الحر المدعومة من  التحالف الدولي بالتحرك باتجاه دير الزور، انطلاقًا من الجنوب السوري، كما أن ميليشيات سوريا الديمقراطية التي تدعمها أمريكا بدأت تتحرك من الجهة الغربية، وبالتزامن مع ذلك بدأ النظام السوري بالتحرك أيضًا باتجاه دير الزور من جهة البادية، بتغطية من روسيا، وبالتعاون مع الحكومة العراقية والميليشيات التابعة لإيران، والتي كثَّفت تصريحاتها عن قرب معركة الحدود العراقية السورية.

كل ما سبق يظهر أن محافظة دير الزور أصبحت مركزًا تتسابق إليه القوى المحلية والإقليمية لطرد تنظيم الدولة والاستيلاء على المحافظة والاستفادة من مواقعها وحقولها النفطية.

الجيش الحر يدخل حدود دير الزور ويتجهز لتحريرها

سجلت أول عملية دخول لقوات الجيش السوري الحر إلى الحدود الإدارية لدير الزور، في شهر حزيران/يونيو العام الماضي 2016، وحينها كان ما يسمى "جيش سوريا الجديد" الذي يتلقى دعمه من أمريكا وبريطانيا في قمة نشاطه، حيث بدأت عملياتها بالسيطرة على معبر التنف على الحدود السورية العراقية، ثم بدأ بالتوجه إلى الشمال ليعلن في الشهر نفسه عن بدء عملية "يوم الأرض"، التي تهدف للسيطرة على مدينة البوكمال الحدودية، وذلك بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي وقطع الطريق الواصل بين العراق وسوريا، ومنع التنظيم من تحويل قواته بين البلدين.

إلا أن التشكيل ما لبث أن تعرَّض للانهيار نتيجة الهجمات العكسية للتنظيم عليه من جهة، وفساد إداري داخل قيادته ما أدى لحلِّه وإنشاء كيان عسكري بديل عنه، تحت اسم "جيش مغاوير الثورة"، حيث صرَّح قائده قبل أيام، المقدم "مهند طلاع" أنه يتم الآن تجهيز الجيش لبدء معركة تهدف لتحرير دير الزور وطرد التنظيم منها.

وبموازاة التصريحات التي تطلقها الفصائل العسكرية في الجنوب عن اقتراب معركة الدير، بدأت فصائل الجيش الحر بالشمال السوري بأولى تحركاتها، وارتسم ذلك من خلال بيان وقعت عليه 8 فصائل، أبرزها الجبهة الشامية والسلطان مراد ولواء الغرباء وتجمع أبناء دير الزور، وأعلن فيه عن تشكيل "المجلس العسكري الموحد لدير الزور"، الذي يهدف إلى تحرير المدينة من تنظيم الدولة، ونظام الأسد، ووحدات حماية الشعب الكردية YPG.

قوات الأسد وروسيا وإيران تحاول قطع الطريق 

ينظر النظام السوري وحلفاؤه الإيرانيون إلى مدينة دير الزور كحلقة وصل لا يمكن الاستغناء عنها، كونها نقطة وصل بين الأراضي الإيرانية مرورًا بالعراق، ثم سوريا، وصولًا لحليفهم  العربي في لبنان "حزب الله". 

كما أن الاستغناء عن المدينة يعني إمكانية وصول الجيش الحر إليها، وتوسيع مناطق نفوذه التي ستكون ممتدة من الجنوب مرورًا بالبادية حتى دير الزور، وبذلك قطع الطريق أمام إيران وخسارة النظام لآبار النفط هناك، بالإضافة لخسارته الحدود مع العراق.

وهنا بدأ النظام بالتحرك مستعينًا بميليشيات إيرانية وعراقية ومحلية، بهدف قطع الطريق على الجيش الحر من خلال السيطرة على طريق "دمشق - بغداد" ومنطقة المثلث، وكبح أي عملية عسكرية من البداية باتجاه الدير، وبالتزامن مع ذلك بدأت تلك الميليشيات تزحف، وسيطرت على مثلث ظاظا، ثم انتقلت إلى منطقة المحدد  شرقي المثلث، واستطاعت تأمين عقدة الطرق الدولية: العراق - الأردن - دمشق"، كما أنها أعلنت صراحة أن معبر التنف الحدودي من أولويات حدودها، الأمر الذي دفع فصائل الجيش الحر هناك لتحصين المنطقة ودفع تعزيزات عسكرية أكبر لصدِّ أي محاولة تقدم جديدة.

لم يغب الدور الروسي في هذه العملية، فقد أعلنت القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية الروسية، قبل 24 ساعة، عن عملية عسكرية ستبدأ في الفترة القادمة على الحدود السورية العراقية، وسيشارك فيها كل من قوات الأسد والجيش العراقي، وبتغطية جوية من روسيا، وتنسيق عسكري من إيران، بهدف تأمين الخط البري السريع بين دمشق وبغداد بشكل أكبر، وفك الحصار عن مدينة دير الزور، التي لا يزال فيها ثلاثة أحياء خاضعة لسيطرة النظام، كما أكدت القناة أن العملية ستكون بمثابة السباق مع فصائل الجيش الحر، الراغبة في إنشاء منطقة عازلة جنوبي سوريا مع الحدود الأردنية، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية.

الميليشيات العراقية إلى دير الزور

الجيش العراقي والميليشيات العراقية أيضًا هي الأخرى بدأت أنظارها تتجه إلى سوريا، بالرغم من المعارك التي تخوضها في أراضيها التي كبدتها خسائر كبيرة، وخاصة في محافظة الموصل.

التدخل العراقي جاء مفاجئًا، حيث تحولت تصريحات بعض قادته إلى أفعال ارتسمت من خلال غارات جوية على التنظيم في مدينة البوكمال، حيث أعطى رئيس الوزراء العرقي "حيدر العبادي" أوامر لقواته بشنِّ ضربات جوية ضد تنظيم الدولة في سوريا، وقد سجلت أولى تلك الضربات في شباط/فبراير الماضي، حيث أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن سلاح الجو العراقي شنَّ غارات جوية على التنظيم في سوريا، وكانت بحسب المتحدث باسم البنتاغون جيف ديفيز "جيدة وفعالة".

بعد مرور أكثر من شهرين على الضربات الجوية العراقية بدأت الميليشيات العراقية بالتوافد إلى سوريا، وكان أبرزها ما يسمَّى "حركة الإبدال العراقية"، والقوة "313" التي تمركزت في منطقة البادية، للبدء بتجهيز عملية عسكرية باتجاه معبر التنف.

وبالتزامن مع ذلك أطلق القائد العسكري في ميليشيا "الحشد الشعبي" العراقية، كريم النوري تصريحات تتحدث بأن معركة مرتقبة على الحدود العراقية السورية ستتركز قبالة مدينة البوكمال، ثم ستنتقل إلى الداخل السوري، وذلك ضِمن سلسلة من التصريحات أدلى بها لصحيفة الحياة اللندنية نهاية الشهر المنصرم "نيسان".

ميليشيات سوريا الديمقراطية ترغب في السيطرة على الدير

أطلقت ميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية"، التي تشكل "وحدات الحماية" الكردية عمودها الفقري في شهر شباط الماضي عملية عسكرية تهدف للسيطرة على محافظة دير الزور، وذلك بعد أيام من تشكيل المجلس العسكري لدير الزور التابع لها، والمدعوم من قبلها بشكل مباشر، وقد بدأت بالزحف من الجهة الغربية الشمالية، وسيطرت على مساحات واسعة داخل الحدود الإدارية للمحافظة.

العملية العسكرية للميليشيات بدأ الترويج لها من قبل الصحافة الروسية قبل شهرين من الآن، حيث قالت صحيفة "إيزفيستيا" الروسية، إن عملية عسكرية مشتركة مرتقبة بين قوات الأسد وميليشيا "وحدات الحماية" الكردية تهدف إلى الوصول لدير الزور والسيطرة عليها، مشيرة إلى أن الطرفين توصَّلا لاتفاق ينص على إدارة العمليات هناك، وتحديد أولويات الهجوم والدفاع.  

وبالوقت نفسه قالت الصحيفة، إنه من السابق لأوانه الحديث عن فك الحصار عن دير الزور، لأن القوة الأساسية لـ"قوات سوريا الديمقراطية" منشغلة بعملية السيطرة على ريف الرقة بدعم من الولايات المتحدة".

الخلاصة، لا يمكن التكهن الآن أي من القوى ستصل قبل الأخرى إلى المدينة، وخاصة أن جميع الأطراف على ما يبدو جادة في رغبتها في الاستحواذ على المدينة، وتدفع كل قوتها من أجل تحقيق ذلك الأمر الذي قد يدفعها إلى الدخول في صراعات عسكرية فيما بينهما، أو التوصل إلى تفاهمات سياسية، إلا أن ما هو معروف أن تنظيم الدولة سيكون الخاسر الأكبر.
 

المصدر: 
الدرر الشامية










تعليقات