بَيْن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعة البغداديّ !!

دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعة البغدادي!!
  قراءة

هناك من يسوي بين دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإمام المجدد وبين منهج جماعة البغدادي الدموي بحجة أن كليهما قد قاتل مخالفيه.

ومن يدعي ذلك فقد أزرى بالعلم وأهله وخالف التاريخ والحقيقة.. فأين الثرى من الثريا ؟!
ألم تر أن السيف ينقص قدره *** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
فالشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام صاحب دعوة وهؤلاء فصيل مقاتل لا يعرف بعلم ولا دعوة:
فقد عُرف الشيخ - رحمه الله - بالدعوة والجهاد، وعُرف بالدعوة قبل الجهاد، واشتهر بتقرير معاني التوحيد والشرك على منهاج السنة وطريقة الأئمة، فهو المجدد لهذه الملة بعد اندراسها وطمس معالمها، ولم يقاتل إلا من تحقق كفره وعناده واشتهر بمعاداته لدعوته بعد البيان وإقامة الحجة..

ويشهد بذلك التاريخ وما قيده أهل العلم المعاصرون له، فقد استعلن الإمام بدعوة التوحيد بعد وفاة أبيه القاضي عبد الوهاب - رحمه الله - وذلك في عام 1153هـ وناصره على ذلك عثمان بن معمر أمير العيينة - في بادئ أمره - فدعا إلى التوحيد ونهى عن الشرك فألقى الله محبته ومحبة دعوته في قلوب من حوله، فسعى في القضاء على أسباب الشرك ومظاهره فقطع الأشجار وهدم القباب وسوى القبور وطمس معالم الشرك التي افتتن بها أكثر الناس في زمانه..

وقد كان قبل ذلك يدعو إلى التوحيد وينهى عن الشرك ويناظر المخالفين ويتنقل بين البلدان فذهب إلى البصرة ثم نزل الإحساء والمدينة والتقى بكبار أهل العلم وقرر معهم التوحيد، فلما انقلب عليه (عثمان بن معمر) لما تهدده والي الإحساء وأمره بقتل الشيخ أو نفيه وإلا قطع عنه ما كان يرسله له من خراج، انتقل إلى الدرعية عام 1158 أو 1157هـ ،وناصره محمد بن سعود وبايعه على التوحيد والدعوة، وقام معه في دعوته وأقبل عليه الناس من كل صوب، وسارت بأخباره الركبان، وصار له في كل بلد أتباع يدعون بدعوته وينشرون رسائله، فتسلط داء الحسد والكبر على البعض، فأنكروا عليه دعوته واتهموه بالجهل والحمق واستهزؤوا به، وحاربوا دعوته وعادوا أتباعه، فألبوا عليه الأمراء وسعوا في قتله، فحينئذ أمر بجهاد من يعاديه ويعادي دعوة التوحيد، وذلك في عام 1159هـ.

فالشيخ - رحمه الله - ظل دهرًا من الزمان في دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك، لم يبدأهم بتكفير ولا بقتال بل راسل الملوك الرؤساء والأمراء والمشايخ والعلماء وشيوخ القبائل والدعاة، فعلموا عن دعوته ما حمل بعضهم إلى اتباعه وبعضهم إلى بغضه ومعاداته ، لكن الجميع قد وقف على حقيقة أمره..

قال ابن غنام في تاريخه: "وكاتب الشيخ بدعوته أهل البلدان ورؤساءهم ومدعي العلم فيهم، وبقي - رحمه الله - يدعو إلى سبيل ربه بالحجة الواضحة وبالموعظة الحسنة، فلم يبادر أحدًا بالتكفير ولم يبدأ أحدًا بالعدوان، بل توقف عن كل ذلك وَرَعًا منه، وأملًا في أن يهدي الله الضالين".اهـ.

ويقول ابن بشر:
"ولما استوطن الشيخ الدرعية وكان أهلها في غاية الجهالة، ورأى ما وقعوا فيه من الشرك الأكبر والأصغر، والتهاون بالصلوات والزكاة، ورفض شعائر الإسلام، جعل يتخولهم بالتعليم والموعظة الحسنة ويفهمهم معنى لا إله إلا الله ويشرح لهم معنى الألوهية ".اهـ.

فأين هو من هؤلاء المخذولين الذين لا يُعرَفون إلا بذبح المسلمين وتكفير المجاهدين، وإعلان الحرب على المخالفين، والأمر بفلق هاماتهم وإخراج ما فيها..

هؤلاء دمويون قتلة مصاصو دماء، يقتلون لا يعرف المقتول فيم قتل، لا دعوة ولا بيان بل غلو وإجحاف وجهل واستخفاف..

وقد خالف الشيخ أقوام ووافقه آخرون وخذله أقوام ونصره آخرون لكن العاقبة كانت للمتقين، أبقى الله ذكره، ورفع قدره، وأعلى مقامه، ومكن لدعوته، وطمس على ذكر شانئيه..

انظروا إلى عقائد مخالفيه ابن فيروز والسحيمي وابن عابدين وابن عفالق وابن جرجيس وغيرهم، لا تجد ذا عقيدة صحيحة على منهاج السنة لا سيما في مسائل الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، بل أغلبهم صوفية أشعرية جهمية، الإيمان عندهم تصديق والكفر عندهم جحود وعناد، ولا يرون الشرك إلا في اعتقاد التأثير واعتقاد الضر والنفع في غير الله، ويسمون دعاء الأولياء توسلًا ويعدونه عملًا صالحًا! فيشترطون اعتقاد الربوبية في المدعو حتى يكون دعاؤه شركًا، وإلا فهو طاعة وتوسل وقرب.

وللأسف فإن الإمام محمد الأمير الصنعاني وهو أجلهم وأفضلهم وقع في هذا الخطأ وزلّ في تقرير هذا المعنى ويتضح ذلك في الأبيات التي نظمها ليتراجع فيها عن مدحه للشيخ في القصيدة المعروفة:
تراجعت عما كنت قد قلت في النجدي .. فقد صح لي عنه خلاف الذي عندي.

فقصر الكفر على الاعتقاد وأخرج شرك العبادة منه وجعله من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة كالزنى وشرب الخمر فقال:
نعم ثم إن الكفر قسمان فاعلموا .. وكل من القسمين أحكامه أبدي.
فكفر اعتقاد حكمه السفك للدما .. وسبي الذراري وانتهاب ذوي الجحد.

وقد رد عليه الإمام الشوكاني ردًّا منيفًا في رسالة الدر النضيد وقال:
(هذا الكلام في التحقيق ليس بتحقيق بالغ، بل كلام متناقض، متدافع، وبيانه أنه لا شك أن الكفر ينقسم إلى كفر اعتقاد، وكفر عمل، لكن دعوى أن ما يفعله المعتقدون في الأموات من كفر العمل في غاية الفساد).اهـ.

فمخالفو الشيخ - رحمه الله - معروف حالهم وهم أصناف:
- فمنهم المخطئ المجتهد المخالف للشيخ والحق مع الشيخ لا معه..
- ومنهم من وصلته الأخبار المزيفة المكذوبة ولم يتحرَّ صِدقها فبنى ذمه عليها..
- والبقية صوفية أشعرية قبورية كزيني دحلان وأمثاله فهم معارضون رأسًا لدعوة التوحيد؛ لأنهم مخالفون لها..

فأين هذا من انصراف جميع أهل العلم عن هذه الجماعة ونبذهم إياها ووصفهم بالجهل والخروج وثبوت ذلك عليهم، فلا نقول إنهم خصوم مخالفون لهم في دعوتهم فهم ليسوا أصحاب دعوة! بل هم عالة على أهل العلم، بل إنهم من غلوهم وصلفهم قد انقلبوا على علمائهم الذين كانوا مراجع لهم، لا يصدرون إلا عن قولهم ولا يقدمون بين أيديهم فلما خالفوهم وأنكروا عليهم فعلوا معهم كما فعل اليهود بعبد الله ابن سلام، فقالوا شرارنا، فبدّعوهم وكفّروهم واتهموهم في دينهم وقالوا عنهم صحوات .. فهل يرتجى من هؤلاء خير؟!!

فإن قيل إن الذبح والقتل قد وردت به نصوص فهو من الإسلام، أقول عن الذبح والتمثيل: إن القتل بضرب الرقبة بالسيف  كان أمرًا مشهورًا بين الناس سواء عند إقامة الحدود أو في الحروب فلم يكن سبيلاً للقتل حينئذ إلا هذه الطريقة فلم تكن مستبشعة عند أحد لكن الذبح بالسكين لم يكن منهج الإسلام يومًا، ولا يكفي جواز الفعل ابتداء ليُتخذ سنة، فما بالك إن ترتب عليه تشويه الإسلام والمسلمين وصد الناس عن دين الله، أما اتفاقها مع دعوة الشيخ في قتل مخالفيه فإنها أيضًا تتفق مع المافيا واللصوص وقطاع الطرق، فإن هؤلاء أيضًا يقتلون من يخالفهم ولكن أي هذا من الإسلام؟!

فهؤلاء جهلة لا فقه لهم ولا نظر!!

ودعوة الشيخ المجدد التي تقوم على الكتاب والسنة وإجماع الأمة، جدد الله بها دينه وأحيا سنته وأعز ملته ونصر بها الحق وأهله فكيف تقارن بدعوة هذا السفاح الذي لا يعرف بعلم ولا فقه ولا نظر ولا سياسة؟!

إن مقارنة حال هؤلاء بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تدليس وتلبيس على البسطاء، وما لنا إلا أن نقول كما قال الشيخ مرارًا: سبحانك هذا بهتان عظيم.

بقلم: 
عادل باشا


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات