هل يغير الأردن موقفه من الثورة السورية؟!

هل يغير الأردن موقفه من الثورة السورية؟!
  قراءة

 

ياسر الزعاترة

الدرر الشامية: خلال الأيام الماضية، تكاثرت التحليلات التي تتحدث عن تغير في الموقف الأردني من الأزمة السورية، مستشهدة على سبيل المثال بزيارة الملك إلى موسكو، وتزويد النظام السوري بالمحروقات، وبعض التفاصيل الأخرى المشابهة، فيما كان التركيز منصبًّا قبل ذلك على العلاقة المتنامية مع الحكومة العراقية، والتي لا يمكن النظر إليها بعيدًا عن تفاصيل الملف السوري، وبالطبع تبعًا لانحياز المالكي لنظام بشار كاستحقاق لعلاقته مع إيران وخوفه من تداعيات سقوط بشار.

 

وإذا شئنا الحديث عن تغير في الموقف، فإن ما ينبغي قوله هو أن الموقف الرسمي الأردني -علمًا بأن الشعب منحاز في غالبيته الساحقة للثورة- لم يكن مع النظام، ولم يكن مع الثورة، بل يراوح بين الموقفين، ربما لأنه غير متأكد من نتيجة المعركة، وفي الوقت ذاته يتعرض لضغوط وإغراءات من المعسكرين (قطر والسعودية وتركيا من جهة، وإيران والعراق وروسيا من جهة أخرى)، مع حياد أمريكي غربي يشمل رفضًا لتمرير سلاح نوعي للثوار من خلال الأردن.

 

لم يقطع الموقف الرسمي لا مع الثوار، ولا مع النظام، فيما يبدو الأخير مرتاحًا للموقف، ليس لقبوله بكل تفاصيله، بل لأنه يدرك أن انحياز الأردن الكامل للثورة سيعني فتح أبواب جهنم عليه (على النظام السوري)، ويكفي أن يتكرر المشهد التركي من جهة الشمال هنا في جبهة درعًا وصولاً إلى دمشق كي يتغير ميزان القوى.

 

ولم يتحدد الموقف الرسمي للأردن لا مع الثوار، ولا مع النظام، فيما بدا أن النظام السوري مرتاح لهذا الموقف، ليس قبولاً له بكل تفاصيله، بل لأنه يدرك أن انحياز الأردن الكامل للثورة سيعني فتح أبواب جهنم عليه، ويكفي أن يتكرر المشهد التركي من جهة الشمال هنا في جبهة درعًا وصولاً إلى دمشق كي يتغير ميزان القوى.

 

والخلاصة أن النظام السوري يقبل بهذا المستوى من التعامل، فيما لا تجد المعارضة فرصة للرفض أيضًا، وهي التي يجلس عدد من رموزها في عمان، بينما تعتبر الأردن شريانًا مهمًّا سيؤثر سلبًا على الثورة فيما لو قطع تمامًا.

 

من المؤكد أن المخاوف من جبهة النصرة -وربما أيضًا من الإخوان- تبدو حاضرة في سياق تقدير الموقف الأردني، لكن ذلك ليس كبيرًا إلى الحد الذي يجري تصويره. وعمومًا لا أحد يتحدث عن سوريا تحكمها فئة بعينها بعد سقوط بشار، فهذه ثورة حرية وتعددية في بلد متعدد الأعراق والأديان، وليست انقلابًا عسكريًّا أو تمردًا مسلحًا بالمعنى التقليدي.

 

ربما قيل في هذا السياق: إن بوسع الموقف الرسمي الأردني أن ينحاز للحل السياسي كما هو حال عدد من الأنظمة العربية، لكن المشكلة هنا أن الأردن يشبه تركيا وليس الآخرين من حيث قدرته على التأثير في مصير الثورة، وبموقف حاسم منه لصالح الثورة سيسرِّع الحسم ويقلل حجم المعاناة والتدمير.

 

الجانب الآخر أن الحل السياسي لا يمكن أن يمر إذا تضمن بقاء بشار في السلطة، لاسيما أننا إزاء نظام طائفي تسيطر أقليته على الجيش والمؤسسة الأمنية، وإذا لم يُخلع بشار فسيبقى كل شيء على حاله مهما أجري من تغييرات في الحكومة.

 

ويقول البعض: إن التعويل على سقوط النظام ليس واقعيًّا، وبالتالي فإن الأفضل للأردن أن يتخذ موقفًا وسطًا أو أكثر قربًا للنظام بحيث يكسب حلفاء النظام وما يقدمونه من مكاسب، لكن ذلك لا يبدو صحيحًا، إذ إن الحديث عن عدم توفر فرصة سريعة للحسم شيء، والحديث عن إمكانية بقاء النظام بعد كل هذه الدماء والتطورات شيء آخر.

 

فلا أفق لبقاء النظام مهما طال أمد الأزمة، وكل هذه "البروباجَندا" التي يوزعها أنصار النظام هنا وهناك ليست مُقنِعة، فهو الآن يقاتل دفاعًا عن العاصمة ولا يتمكن من فك الحصار حولها رغم محاولاته المستميتة، بينما يترنح في مناطق أخرى كثيرة، من بينها المدينة الثانية (حلب). الأهم من ذلك أن طول أمد الثورة ليس جيدًا أيضًا، إذ يرتب على الأردن مشاكل أمنية وإنسانية، وأخرى ذات علاقة بالبنية التحتية بسبب استمرار تدفق اللاجئين، حتى لو تم تمويل وجودهم بهذا القدر أو ذاك من الخارج.

 

في ضوء ذلك كله، يمكن القول: إن من مصلحة الأردن أن يقف إلى جانب الثورة، لأنه يراهن بذلك على الحصان الرابح، وهو حين يفعل ذلك ويسرِّع الحسم ويقلل المعاناة ستكون له يدٌ عليا عند الشعب والوضع السوري الجديد، فضلاً عما يعنيه ذلك فيما يتصل بعلاقاته مع داعمي الثورة أيضًا، أما المكاسب التي تترتب على الموقف الآخر، فتبدو آنية يرتبط أكثرها بمدة بقاء النظام، وهي مدة لن تكون -مهما طالت- ذات قيمة كبيرة وَفق معايير السياسة الإستراتيجية للدول.

 

نقلاً عن الاسلام اليوم



تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات