البيان الكامل بشأن الصلح بين "البغدادي" و"الحموي" للدكتور "يوسف الأحمد"

البيان الكامل بشأن الصلح بين "البغدادي" و"الحموي" للدكتور يوسف الأحمد
  قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد.

 

فقد انتهت المدة المقترحة لطلب الصلح بين الشيخين "أبي بكر البغدادي" و"أبي عبد الله الحموي" وفقهما الله لطاعته، وأعلن الشيخ "أبو عبد الله الحموي" رسميًّا قبول وتأييد مضامين الصلح كلها، وعلى رأس ذلك المحكمة المستقلة، أما الشيخ "أبو بكر البغدادي" فقد صدر بيان نُشر في الإنترنت من صفحتين نُسب للإخوة في ولاية حلب موجهٌ إلى حركة أحرار الشام في اليوم الأخير من المدة المقترحة 12/2/1435هـ وتضمن البيانُ أن حل النزاع مع الجماعات الأخرى يكون بإقامة محكمة مشتركة لكل واقعة، ولم يتعرض البيانُ لموضوع رد الأسرى والأموال والمقرات والمحكمة المستقلة، ولا غير ذلك مما تضمنه النداء الأول المنشور بتاريخ 8/2/1435هـ.

 

ويُلحظ على البيان المنسوب للدولة فيما يتعلق بتحكيم الشريعة النص الآتي: "فتحركت الدولةُ الإسلامية لحسم الموقف على الأرض قبل أن يستفحل الأمر الذي لن نتردد فيه مستقبلاً؛ لأننا قوم ننتصر ممن ظلمَنا وتعدى على أبنائنا"اهـ. وجاء في آخر البيان: "وفي نفس الوقت نؤكد على أننا سنرد وبكل قوة على من ركبه الشيطان وصار أداة لضرب أبناء الدولة الإسلامية ومشروعها بما يردعه ويرجع له صوابه"اهـ.

 

وأُلخص تعليقي على هذا النص بأن الانتصار من الظالم المعتدي نوعان:

 

انتصار شرعي، وانتصار جاهلي.

 

أما الانتصار الشرعي: فهو الذي أمر الله تعالى به، وهو طلب القصاص قضاءً، وهو حق لأولياء الدم، وهم ورثة القتيل، والعفو عنه أفضل.

 

وأما الانتصار الجاهلي: فلا يكون بطلب القصاص قضاءً، وإنما إذا قُتل منهم أحد أغاروا على جماعة القاتل، فقتلوا منهم، وأسروا، ونهبوا أموالهم واستباحوها، كما كان أهل الجاهلية يفعلون، فإذا حسموا الأمر على الأرض، وتم تأديب جماعة الجاني بهذه الطريقة، نظروا بعد ذلك في الصلح والمحكمة. والخلاصة: أن الحكم في هذا النوع من الانتصار ليس للشريعة، وإنما هو للأقوى.

 

ومن صور تبديل الشريعة في الانتصار الجاهلي: أن القصاص أو العفو عنه حق للجماعة أو أميرها، أو للقبيلة أو أميرها، وليس لورثة القتيل.

 

أما الاستدلال لهذا العمل المحرم بقول الله تعالى: "وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ" فهو استدلال فاسد بإجماع الأمة، كيف وقد بيّن الله - تعالى - صفة الانتصار في الآيات التي تليها، وحذَّر من البغي والتجاوز في القصاص، قال الله تعالى: " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" (الشورى: 39-43).

 

وعليه فإن النقل المشار إليه من البيان، هو من الانتصار بالمعنى الجاهلي، وسواء سُمّي قانونًا، أو نظامًا، أو مادةً، أو تعميمًا، أو أمرًا، أومرسومًا، أو غير ذلك، وهم يلتزمون به، فهو تشريع من دون الله، وتحكيم للطاغوت، وحكم بغير ما أنزل الله.

 

وكلُّ مَن قاتل إخوانَه المجاهدين أو أيَّ طائفة من المسلمين بهذا المعنى، فهو قتال فتنة، وتحت راية عُمِّيَّة، وليس من الجهاد في سبيل الله، وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ؛ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلاَ يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلاَ يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ" أخرجه مسلم.

 

والواجبُ على من كتب تلك الجملَ المشار إليها في البيان، أو شارك في هذا النوع من القتال، أو أقرَّه، أو دَعا إليه: التوبةُ إلى الله - تعالى - والبراءة مما فعل. وهذا ليس وصفًا لإخواني الكرام في الدولة بتهمة التشريع من دون الله تعالى، وإنما الحديث عن البيان المنسوب إليهم.

 

وهنا ملحظ آخر في البيان وهو موضوع إنشاء المحاكم المشتركة، وتتضمن هذه المحاكم جملة من الإشكالات الشرعية، منها:

 

الأول: ضعفُ سلطانها على الخصوم، فلا تنشأ إلا بعد اكتمال فصول الخصومة، والانتهاء من القتل والأسر، وتبادل التهم والفضائح بين المتخاصمين عبر وسائل الإعلام، ثم تنقضي الأيام، وتضيع الحقوق، وتزداد المشكلة، وتحصل مقتلة أخرى، وما زال الوسطاء يسعون في آلية ترتيب اللقاء الأولي بين الطرفين، وينتهي المطاف بتشويه صورة القضاء والتقاضي الشرعي بين الناس.. وأقرب شاهد قضيةُ "مسكنة" إذ لا يزال القتل والأسر والبغي قائمًا بسبب ضعف سلطان المحكمة المشتركة، وتعطيل المحكمة المستقلة.. إلخ.

 

فإذا كان هذا البطء في قضية واحدة، فكيف يتم النظر في الخصومات والدعاوى اليومية ضد الجماعات؟! فيضطر الناس حينها إلى التنازل عن حقوقهم.

 

الثاني: الحصانة القضائية للقادة والأمراء؛ لأن المحكمة لا تنشأ إلا بموافقتهم عليها، وعلى موضوع الدعوى، ويبقى الأمير ومَن يشاء محصنًا من التقاضي إلا بموافقته، فيكون التقاضي وإقامة حكم الله - تعالى - خاضعًا لإذنه وسلطانه، لا حاكمًا عليه، وهذا شأن الظلمة والمحاكم الأمنية في دول الاستبداد وإن ادعت الشريعة، ولا تليق بأهل الجهاد في سبيل الله تعالى.

 

الثالث: إذا كان الطرفان متفقين على المحكمة المشتركة التي يشارك فيها قضاة من الجماعتين وغيرهما، فما المانع الشرعي من ثبات المحكمة واستقلاليتها عن طرفي الخصومة ؟.

 

لقد سُفكت الدماء، واستحلت الأموال بين المجاهدين، وظهر البغي في وسائل الإعلام، ومن أهم أسباب ذلك: الانتصار بالمفهوم الجاهلي في مسألة الدماء، والسبب الآخر: الامتناع عن إقامة محكمة شرعية مستقلة بين الجماعات ذاتِ الشوكة والمنعة والسلطان والنفوذ على الأراضي التي تحكمها.

 

لقد كثرت الدعاوى بقتل المجاهدين، أو اعتقالهم، أو حبسهم، أو تعذيبهم، أو الاستيلاء على أموالهم، ومستودعات الأسلحة، والمقرات، ومنع السجين من حقوقه الشرعية في التحقيق والدفاع، والاتصال بأهله..إلخ حتى أصبحت هذه الدعاوى يومية ضد جنود الدولة، ولا سبيل إلى دفع هذه التهم أو إثباتها وإقامة حكم الله إلا من خلال محكمة شرعية مستقلة، تنتصر للفرد من الجماعة، وللضعيف من القوي.

 

وقريبًا شاع في مواقع التواصل الاجتماعي خبر اعتقال الشيخ "أبي سعد الحضرمي" وهو أحد كبار قادة "جبهة النصرة"، وأن اعتقاله مضى عليه ثلاثة أشهر، وأخباره منقطعة تمامًا، ولا يُعلم عن حاله شيئ. فكيف نستطيع إثبات هذا الخبر أو نفيه؟ وكيف نستطيع إقامة الشرع في هذه الحالة؟ إلا من خلال محكمة مستقلة.

 

وبالأمس ضج الناس بخبرٍ تنخلع له القلوب؛ وهو مقتل الطبيب الدكتور "أبو ريان حسين السليمان" رحمه الله، وهو أحد أمراء الأحرار الذي كان رسولاً من الأحرار إلى الدولة، وما أعلنه الطب الشرعي مصورًا من التعذيب، وقطع الأذن، وتصويب أطرافه، وتفريغ رأسه..إلخ يستحيل أن يكون إنفاذًا لحكم قضائي، أو أن ينسب إلى شرع الله تعالى، فهل ستترك الدولة هذا الخبر دون تعليق؟ وهل ترضى أن يُخطف أحد جنودها ويؤسر، أو يحاكم فيقتل، من قبل إحدى الجماعات التي لها إمرة وقضاء وشوكة ومنعة؟.

 

كيف يتجرأ مسلم أن يقتل أخاه وهو يقرأ قول الله تعالى: " وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" (النساء93).

 

كيف يتجرأ مسلم أن يقتل أخاه، وقد أغلظ النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته في حجة الوداع، على من استهان بدم المسلم وعرضه وماله فقال: "فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" أخرجه البخاري من حديث أبي بكرة، وابن عباس، وابن عمر، وجرير رضي الله عنهم.

 

والمشروع في هذه الحالة وأمثالها إقامة دعويين: الأولى خاصة؛ وهي طلب القصاص، والثانية عامة؛ وهي طلب إقامة حد الحرابة والإفساد في الأرض على الجناة؛ لإقامة حكم الله فيهم.

 

إن من أكبر المتضررين بعدم إقامة المحكمة المستقلة، هم جنود الدولة، فقد قُتل منهم الكثير، وآخرها قتلى "حزانو"، فهل دماؤهم رخيصة؟ وهل تضيع دماؤهم ودماء بقية المجاهدين هدرًا؟ وهل يعطل شرع الله في القصاص؟ وهل يعطل حد الحرابة؟ وهل ننتظر مزيدًا من سفك دماء المجاهدين، وتعذيبهم، وقطع الطريق عليهم، وترويعهم، بسبب الامتناع عن إقامة المحكمة المستقلة؟.

 

قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة179).

 

وأختم البيان بالآتي:

 

أولاً: إن الواجب الشرعي المتعين على إخواننا في الدولة هو القبول "العاجل" بمحكمة شرعية مستقلة علنية، لا سلطان عليها إلا سلطان الشريعة، يتفق على اختيار قضاتها أهل الشوكة والحُكم من جميع الجماعات الجهادية، يخضع لحكمها الكبير قبل الصغير، والشريف قبل الوضيع، والأمير والقائد قبل غيره. أما رفضها أو الصمت عنها، فهو نوع من تعطيل الحكم بالشريعة كما هو مشاهد؛ فإن الحقوق في الدماء والأموال والأعراض تضيع أمام الجميع بسبب رفض المحكمة المستقلة. فإن كان للإخوة رأي آخر بُيّن بالدليل الشرعي، فإن كان حقًّا وجب قبوله، وإن جانَبَ الحقّ تم مناقشته علميًّا، أما لزوم الصمت أو الاكتفاء بالبيانات غير الرسمية فليس شأن صاحب الحق، خصوصًا وأن تعطيل إقامة المحكمة الشرعية المستقلة أصبح خطرًا كبيرًا يهدد مشروع الأمة في الجهاد، وتحكيم الشريعة في الشام.

 

ثانيًا: التوضيح الشرعي لما ينسب للدولة من عدم التزامها بالشريعة في جوانب كثيرة؛ كما جاء في بعض مضمون بيان حلب الذي نوقش هنا، وما ينسب لها من عدم التزامها بالشرع في تعاملها مع غير المنتمين لها من المجاهدين في الإيقاف، والتحقيق، والحبس، ومنع السجناء من حقوقهم الشرعية، وسرية المحاكمة والأحكام والتنفيذ، وعدم تمكين خصومها من الدفاع، أو التوكيل، أو الاعتراض على الحكم، أو ما ينسب لها من تغطية أخطاء الجنود بقرارات شرعية لاحقة. إن الظن بإخواننا الكرام هو بيان الحق، والقبول به، والرجوع إليه، وهذا شأن الصادقين.

 

اللهم احقن دماء المجاهدين، وانصرهم، ومكّن لهم، واجمع كلمتهم على الحق. اللهم وفقهم لإقامة دينك، وتحكيم شرعك. والحمد لله رب العالمين.

 

قاله وكتبه: يوسف عبد الله الأحمد الخميس 1/ 3/ 1435هـ



تعليقات