غزة إذ ينكسر على حدودها الانقلابيون الهمج!

غزة إذ ينكسر على حدودها الانقلابيون الهمج!

 

د. أحمد بن راشد بن سعيّد

غزة تحت حصار خانق. في البدء كان العدو الصهيوني الذي ما فتىء ينشر في أزقتها وشوارعها الموت؛ العدو الذي هندس النكبة عام 1948، ثم حاصر بعض ضحاياها في هذا «الغيتو» الكبير الذي يضم مليون و 700 ألف فلسطيني مصادراً حقهم في الحياة؛ في الحد الأدنى من الحياة. لكنها ليست إسرائيل وحدها. ومتى كانت إسرائيل وحدها؟ الشقيقة الكبرى مصر، أو بالأحرى، طغمة الانقلاب التي اختطفت مصر، تضرب حصاراً أقسى على غزة مشاركة إسرائيل خنق زهور الحرية والأمل. إنها «صناعة الموت» الذي لا يمكن أن تتناوله، ولو على استحياء، قناة العربية. وليس الحصار من الجانب المصري قاسياً بمعنى منع الطعام والوقود والبضائع فحسب، بل بمعناه النفسي أيضاً.

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة..

على النفسِ من وقع الحسامِ المهندِ

بادر الجنرال عبد الفتاح السيسي، رئيس طغمة الانقلاب في مصر، بُعيد عزله الرئيس مرسي، إلى إغلاق معبر رفح الحدودي مع قطاع غزة، متهماً حركة حماس التي تدير القطاع بالتعاطف مع الرئيس المغدور، وهو ما حول غزة إلى سجن كبير. كان الرئيس مرسي قد قرر فتح المعبر، ومكّن الفلسطينيين من الدخول والخروج وجلب البضائع بحرية، لكن لا شيء من هذا يحدث اليوم. تقول «حملة التضامن الفلسطينية»، وهي منظمة غير حكومية في بريطانيا تسعى إلى تحقيق العدالة والسلام للفلسطينيين، إن جيش السيسي دمر بعد الانقلاب أكثر من 350 نفقاً، ما أدى إلى انخفاض حاد في كميات البضائع الداخلة إلى قطاع غزة، بما فيها مواد البناء والوقود والمنتجات الغذائية الأساسية، الأمر الذي رفع أسعار هذه البضائع على نحو «صاروخي»، وتعاني مستشفيات القطاع الآن من أزمة حقيقية بعد نفاد الأدوية الضرورية (5 أيليو/سبتمبر 2013). كانت الأنفاق تلبي نحو 60 في المئة من حاجات قطاع غزة. وبحسب دراسة اطلعت عليها صحيفة الغارديان، فإن 65 في المئة من حاجات القطاع من الدقيق، و 98 في المئة من حاجاته من السكر، و 52 في المئة من حاجاته من الأرز، تأتي عبر الأنفاق. وبعد إغلاق المعبر وتدمير الأنفاق شعر أهل غزة بأثر «تغيير النظام وراء الباب المجاور» (19 تموز/يوليو 2013).

لم يعد بالإمكان توريد الوقود ومواد البناء، فتعطلت مئات المشاريع، وخسر الآلاف أعمالهم، وأصبحت الكهرباء شحيحة، واصطف الناس بسياراتهم طويلاً أمام محطات الوقود. تقول صحيفة الواشنطن بوست إن الجيش المصري يهدف من وراء حملته إلى إضعاف حركة حماس المسيطرة على القطاع، والتي تنتمي إلى تيار الرئيس مرسي؛ الإخوان المسلمين، ولذلك يقوم بهدم «جميع الأنفاق التي توفر شريان حياة اقتصادياً لقطاع غزة، وتزود حركة حماس بعوائد الضرائب». ومع إغلاق الجيش معبر رفح، يكون قد أكمل بالفعل عزل غزة عن باقي العالم (8 أيلول/سبتمبر 2013). وفي تقرير آخر لها تشير البوست إلى أن حماس أصبحت «من دون أصدقاء»، وأن حركة ظهرت في القطاع اسمها «تمرد» (على غرار الحركة التي ظهرت في مصر) تطالب بإسقاط الحكومة في غزة، التي ردت باعتقال بعض أعضائها، وإغلاق مكتب قناة العربية الذي تتهمه حماس بنشر الأكاذيب (24 آب/أغسطس 2013).

يبدو أن طغمة الانقلاب في مصر تريد أن تذهب إلى الحد الأقصى في حربها على قطاع غزة. دمر جيش السيسي حتى الآن 20 بيتاً من البيوت المحاذية للقطاع، وأعلن عزمه على هدم 500 بيت آخر، مُصدراً أوامر إلى السكان المصريين الذين يقيمون على مسافة 500 متر من الحدود، أن يغادروا بيوتهم. ويؤكد الشيخ إبراهيم المنعي، رئيس اتحاد قبائل سيناء، أن الجيش أسس منطقة عازلة على الحدود مع غزة (على غرار المنطقة غير المأهولة التي فرضها الكيان الصهيوني بين الأرض التي يحتلها وبين القطاع). وقال المنعي لموقع ألمونيتور إن أفعال الجيش «خطيرة جداً وهمجية»؛ لأنه يدمر بيوت مواطنين مصريين بما فيها من أثاث، بحجة أن ثمة أنفاقاً تحتها، كما يواصل إغلاق ميدان الشيخ زويد (الذي يضم 200 محل تجاري)، وينفذ اعتقالات عشوائية وتعذيباً لأناس أبرياء. ويضيف المنعي أن في سيناء 11 قبيلة، كلها تؤيد الرئيس مرسي، وترفض الانقلاب العسكري. وينقل ألمونيتور عن مسؤولين في الحكومة الفلسطينية بغزة قولهم إن أفراد جيش السيسي يستفزون رجال الأمن الفلسطينيين بتوجيه الإهانات لهم، وتسليط الضوء الكاشف على مواقعهم، بينما تسهر الحكومة على حماية حدود مصر من أي اختراق يضر بأمنها. وبحسب هؤلاء المسؤولين، فإن استفزازات الجيش لا حد لها، فهو يفتح النار على المواقع الفلسطينية، وتنتهك طائراته أجواء القطاع (9 أيلول/سبتمبر 2013).

كثيرون في غزة يتخوفون من «غزو مصري» وشيك، لاسيما في ظل الحشد العسكري المتزايد على الحدود. يحصل هذا الحشد بإذن إسرائيلي، كما يقول الموقع الإخباري الأميركي «إكزامنر. كم»، ويشمل تشكيلات قتالية كالدبابات، وناقلات الجنود المدرعة، ومروحيات الأباتشي، والمقاتلات من طراز إف 16 (4 أيلول/سبتمبر 2013). وأبلغني صحافي في قطاع غزة أن هذه المخاوف حقيقية، لاسيما في ظل زعيق أبواق الدعاية الرسمية في مصر عن «إرهاب» حماس، و «تواطئها» مع الرئيس مرسي، وأكاذيب أخرى كالزعم بأن السيارة التي انفجرت قرب مقر وزير داخلية الانقلاب جاءت من غزة. ويصف الصحافي (الذي لم يحبذ ذكر اسمه) أحوال الغزّيين بأنها «مأساوية»، مؤكداً أن جيش السيسي يراقب البضائع في قناة السويس، وينصب نقاط تفتيش في سيناء؛ ليتأكد من أن شيئاً من الحاجات الأساسية لا يصل إلى غزة.

تثبت الطغمة العسكرية التي أطاحت بالشرعية في مصر كل يوم أنها لم تنقلب على إرادة المصريين وحدهم، بل على الأمة برمتها، وقضيتها الكبرى: فلسطين. يعجز الانقلابيون أن يفتلوا عضلاتهم على «إسرائيل»؛ لأنهم يفتقرون إلى خصال المروءة والوطنية والاستقلال التي تجعلهم يتصدون للعدو الحقيقي، فيلتفتون إلى غزة، الجائعة المنهكة، فهي- كما تسوّل أنفسهم، هدف سهل، ولقمة سائغة.

لكن غزة هاشم لحمها مر. لقد دحرت التتار من قبل، ومرغت أنف شارون في الوحل حتى هلك منها قهراً، ولن يعجزها أن تكسر شوكة الانقلابيين الهمج. غزة صنو المحروسة التي غرد على لسانها حافظ إبراهيم ذات يوم:

ما رماني رامٍ وراح سليماً..

من قديمٍ عنايةُ الله جندي..

إنها غزة القوية بأضعف الإيمان.عيوننا إليها ترحل كل يوم، أو كما قال الإمام الشافعي (المولود في حي الزيتون بغزة):

وإني لمشتاقٌ إلى أرضِ غزةٍ

وإن خانني بعد التفرقِ كتماني

سقى الله أرضاً لو ظفرتُ بتُرْبِها

كحَلتُ بها من شدةِ الشوقِ أجفاني




إقرأ أيضا





تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.