إيران.. التهديد من الداخل

إيران.. التهديد من الداخل

لم يعد أحد يُصدّق العبارات الإيرانية المحنّطة والمتكلّسة، التي نمّطت الدعاية الإيرانية على مدى عقود عن خطر الاستكبار العالمي والصهيونية على الثورة الإيرانية، وهو يرى لسنوات رأي العين تساقط قادة الحرس الثوري الإيراني والخبراء النوويين الإيرانيين، وسط المدن الإيرانية ومن بينها العاصمة طهران، ومعهم سرقة الملف النووي الإيراني الذي قُدر وزنه بعشرين طنا، فتم شحنه من إيران إلى أذربيجان فتل أبيب. لقد تحوّلت إيران كدولة إلى جمهورية موز حقيقية في ظل هذا الاستهداف المتكرر والذي يقع في رابعة النهار، وعلى بعد مئات الأمتار من مبنى البرلمان الإيراني، والذي من المفترض أن يكون داخل المربع الأمني.

لا يمكن رصد كل عمليات الاستهداف بحق النخب العسكرية والأمنية الإيرانية والتي وقعت خلال السنوات الماضية، ولكن ما تم الكشف عنه على الأقل ضم عشرات منهم، ومن بينهم العالم النووي محسن فخري زادة، والضباط محمد حسين زاده حجازي، ومحمد علي حق أسياد، ومسعود محمدي ومصطفى روشن، وأخيراً وليس آخراً حسن صياد خداياري الذي كان مساعداً لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، والذي اُغتيل في بغداد في كانون الثاني/ يناير من عام 2020.

يحدث ذلك كله بينما الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج والاستخبارات الإيرانية تعمل بكل ما أوتيت من قوة في دول الجوار الأقرب والأبعد، ومشغولة بتدمير حواضر الأمة من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء، والعبث في أفغانستان وما بعدها، ظانّة بأن الخطر عليها من تلك الدول، أو هكذا تسوّق للداخل والخارج، وهكذا تبرر تدخلها في سوريا، ولولا الضوء الأخضر الأمريكي والصهيوني لما تجرأت على أن تدخل إلى هناك، على الرغم من القصف الذي تناله قواتها وذخيرتها، لأنها تتجاوز ما هو متفق عليه، تماماً كما كانت قوات الأسد تتعرض له في لبنان يوم تدخلت بموافقة أمريكية- صهيونية عام 1976.

الاستهدافات التي تتعرض لها القوات الإيرانية وسط طهران، تنسف تماماً الرواية السمجة التي سعت طهران لتسويقها داخلياً وخارجياً، وهي أن الخطر عليها وعلى ثورتها إنما هو من الخارج، ليكتشف الجميع اليوم أن الخطر الحقيقي داخلي ولا علاقة له بهذه الدول التي تم استباحتها ودمرتها على مدى سنوات طويلة، ومعه لا تزال تدفع ثمن مغامراتها ومقامراتها، لتكتشف لاحقاً أنها كانت أداة من أدوات ذاك الاستكبار العالمي الذي تتهمه باستهدافها.

لا زال الكل يتذكر كشف الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد عن أن مسؤول مكافحة التجسس الإسرائيلي في وزارة المخابرات الإيرانية كان بنفسه مجنداً من قبل الموساد. واللافت أنه بعد كل هذه الاختراقات الأمنية الخطيرة وعلى رأسها سرقة الملف النووي كاملاً، بمشاركة عشرين جاسوساً إيرانياً يعملون لصالح الموساد وليس فيهم إسرائيلي واحد، يكشف مدى الخطر الداخلي الذي هدد ويتهدد إيران، ومع هذا لم يتم التحقيق فيه بشكل علني، ولم يكشف عن تفاصيل السرقة، ولم تطل أية رؤوس أو يقدم أحد استقالته ولو من باب ذرّ الرماد في العيون.

الانتفاضة الإيرانية الأخيرة التي سميت بانتفاضة الجياع، صعّدت من شعاراتها التي تظهر أن انشغالات الشعب الإيراني محلية، ولا علاقة له بتمددات خارجية، فهو لا يريد مزيداً من التدخل في قضايا عربية وغيرها، كون هذا التدخل يؤثر بشكل مباشر على عيشه واقتصاده، لكن حكومة الملالي لا تزال تحرث في البحر، ولا تزال تظن أن اللعب مع الكبار يفرض عليها حروباً كبيرة لا بد أن تخوضها من أجل التعملق الوهمي.

ولعل نصيحة المؤرخ الإنجليزي تايلور تكون مناسبة لها في هذا السياق إن كانت تتقبل نصائح الاستكبار العالمي، يقول تايلور: "يظن البعض أن من اشتراطات الدول العظمى أن تخوض حروباً عظمى، ولكن الطريق الوحيد لتكون قوة عظمى هو أن تتجنب خوض الحروب". وربما ما تورّطت به روسيا اليوم في أوكرانيا، ومن قبل في أفغانستان، وأمريكا في فيتنام والصومال وأفغانستان والعراق، درس للجميع، فكيف إن كان التورط في أكثر من دولة وليس في دولة واحدة على غرار نموذجنا الإيراني!

بقلم: 
أحمد موفق زيدان
المصدر: 
موقع عربي 21




إقرأ أيضا





تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.