مجازر تدمر.. جرح ينكأ جراحات

مجازر تدمر.. جرح ينكأ جراحات

مع صبيحة السابع والعشرين من حزيران/ يونيو من كل عام تتجدد الذاكرة، وتتجدد معها الآلام والعذابات، عشرات الكتاب كتبوا والعديد من الأفلام أُعدت، ومئات المقالات والقصائد قيلت، ولكن لا تزال الحكاية غضة تطلب هل من مزيد..

فالقاتل لا لغة تصفه، ولا علوم إنسانية تفهمه حتى الآن، ولا أوراق وحبراً يكفي أن يُحيط به وبجرائمه التي تلد جرائم. "هنا في تدمر حيث حافظ الأسد منع الله من الدخول" كما كان جلاد تدمر يُبلغ ضحاياه حين يلجون إلى الكهف التدمري، ولذا يدعوهم ألاّ يستنجدوا به، بعد أن كتب على مدخله عبارة اختصرت كل شيء "الداخل مفقود والخارج مولود".

هنا في تدمر كل مكان يصلح لقصة وحكاية مكتملة الأركان، فمن ينسى قصص الحمّامات وعذاباتها، وحفلات الاستقبال ضربًا وقتلًا وإهانة للمعتقلين؟ ومن ينسى حكاية الساحة السادسة والسابعة للإعدام، ونصب المشانق فيهما؟ ومن ينسى المهجع، والشرّاقة، وباحة التنفس، وأبو جهل، ومهجع الوظاويظ (أي الأحداث والذي يسمى بمهجع 14)، والمحاكم الهزلية، ومهاجع الجرب، ومهاجع النساء؟ وفي النهاية - ولا نهاية لتدمر ومآسيها - الكل سيتذكر ولو بعد قرون وادي عويضة الذي احتضن أكثر من 25 ألف شاب من خيرة أبناء سوريا، حيث دفن بعضهم أحياء..

دخل اسم سجن تدمر بقوة وبجدارة لائحة أسماء سجون ستبقى محفورة في ذاكرة الأمم والشعوب على امتداد الوجع الإنساني، كسجن الغولاغ الذي خلده العهد الستاليني البائد، وسجن بو سليم القذافي، وسجن تزمامارت المغربي، وسجني غوانتانامو وأبو غريب الأمريكيين، وسجن ليمان طره وأبو زعبل الناصري، وسجن العقرب السيساوي، وسجن بولي تشرخي الشيوعي الأفغاني، وغيرها..

لكن يبقى سجن تدمر لا شبيه له، ولا اسم يكفيه ما حصل فيه، فقد كان أفظع من معتقلات النازيين، وإلاّ فمن كان يظن أن تجرى تجارب كيماوية على المعتقلين، أو أن يمارس الطبيب هواية السجان بتعذيب زميله الطبيب، وهو الذي يعرف مكان وجعه وألمه، فيكبس عليه؟ لكن أدرك لاحقاً الشعب السوري وربما العالم كله أن سجن تدمر الصحراوي لم يكن إلاّ صورة مصغرة عن سجن سوريا كلها الذي حبست عصابة آل الأسد الشعب السوري فيه، فنفذت كل ما نفذته وأكثر ربما على السوريين ليحصل الأسد على مجتمع أكثر تجانساً بإبادة من لا يشبهه بالكيماوي والبراميل والخراطيم المتفجرة والسجون، وبالتهجير وتدمير البيوت والمدن على أهلها.

ربما لا توجد ثورة تم توثيق أحداثها بهذا الشكل الدقيق كتابة وصوتاً وصورة كما حصل للثورة الشامية، لقد بذل الجميع جهوداً هائلة ورهيبة في توثيق الجريمة وتفاصيلها، ولا يزال بحر دماء مجازر الطائفيين يمدّ بالمزيد، وحين وجد النظام نفسه عاجزاً عن اجتراح مزيد من الإجرام استدعى حثالات الأرض من مليشيات طائفية مجرمة؛ في محاولة يائسة لتنقذه من غضبة شعب انتفض ولا عودة لسيف غضبه بعد أن لفظ غمده.

قرأنا في أدبيات سجن تدمر سنوات سجن هبة الدباغ تحت عنوان "خمس دقائق وحسب.. تسع سنوات في سجون سوريا"، وقرأنا للسجين الأردني محمد سليم حماد في كتابه "تدمر شاهد ومشهود"، وقرأنا للبناني أنطوان دومازه كتابه "عائد من الجحيم"، ومعه قرأنا كتاب "في القاع.. سنتان في سجن تدمر الصحراوي" لخالد الفضل، حيث سرد بعض ما حصل للمسجونين.

وثمة كتب مهمة صدرت لاحقاً أود ذكرها لتعميم الفائدة أولاً، وثانياً لشكر من يسعى للوفاء لمن رحلوا ككتاب "الطريق إلى تدمر.. كهف من الصحراء"، و"عائد من الجحيم"، و"من تدمر إلى هافارد"، و"ناج من المقصلة"، و"بين نبضتين"، و"القوقعة"، و"الشرّاقة"، ورسالة الدكتوراة للدكتورة ظلال الجاجي عن سجن تدمر. والشكر هنا لا يكتمل إلاّ بشكر الأستاذ محمد الحسناوي رحمه الله ويحيى بشير على الجهد الضخم الذي بذلاه مبكراً عن المجزرة في توثيقها بشكل دقيق، والذي أتى تحت عنوان "تدمر.. المجزرة مستمرة".

كنت منذ أحداث المجزرة أتطلع إلى أن أقوم بدور في توثيقها ومع تباعد زمن حدوثها أراني أزداد رغبة بإيفاء الشهداء حقهم، تماماً كما تزداد شهيتي في التنغيص على الظالمين المجرمين، حتى أعددت فيلماً عن سجن تدمر تم بثه على قناة الجزيرة تحت عنوان "تدمر.. السجين والسجان"، حيث تمكنا من الوصول لأول مرة إلى أحد سجاني تدمر ممن ساهم في تعذيب المسجونين، ولكنه مع الثورة انقلب على النظام والتحق بالثورة.

رفعت الأسد.. وحش مجزرة تدمر لا يزال يجوب شوارع باريس ولندن ومدريد، ولا يزال يتمتع بالأموال التي جناها من ذوي ضحايا تدمر وغيرهم، حيث كانت الأم المفجوعة تدفع بالذهب للقتلة أملاً في معرفة مصير نجلها، والبعض كان يدفع ويدفع ليكتشف فيما بعد أن من يدفعون لرؤيته قضى شهيداً، فيُعذب الأهل مرتين؛ مرة بخديعتهم في جني أموال ضخمة للظلمة، ومرة ثانية بمعرفة مصير أبنائهم.

اليوم رحل شهداء تدمر ورحل قاتلوهم وسجانوهم، أو معظمهم، وهناك لا باحة سابعة ولا سادسة ولا شرّاقة، هناك لا مهجع 14، ولا حفلات حلاقة.. هناك فقط صعيد واحد، حيث يأتي الواحد ربه فرداً، لن يجادل عنه حافظ الأسد ولا رفعت الأسد ولا فيصل غانم.. الكل يجادل عن نفسه، ليس بينه وبين الله ترجمان.. شعار ذلك اليوم الرهيب.. لا ظلم اليوم.

أما في هذه الدنيا فلا يزال الشعب السوري يحمل شعلة ثورة أطلقها جيل تدمر، يتوارثون الحكايات ويتوارثون العهد، ورغم كل العذابات لا يزال جيل الثأر، جيل المرابطين والمهاجرين والمعتقلين يخوضون معركة الانتقام والثأر.

بقلم: 
أحمد موفق زيدان
المصدر: 
عربي 21



تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.