حرية الشعوب والمنعطف الخطير

حرية الشعوب والمنعطف الخطير
  قراءة

لا شك أن الله تبارك وتعالى خلق الناس أحرارًا لا عبيدًا، ومن طبيعة الإنسان أنه يحب الحرية والتحرر من القيود، ومن الفطرة السليمة أن يكون الإنسان حرًا في ملكيته وتفكيره وحقوقه وتطلعاته، لا ينازعه عليها أحد، وهذا ما أقرته الشريعة، على خلاف الشرائع الغربية التي استعبدت الناس ومنعتهم حقوقهم في عصور ما قبل التنوير كما يطلقون عليها، ونحن العرب أكثر شعوب العالم عاشت مقيدةً مكبلةً، تُحصَى أنفاسها ويسلط عليها كل أنواع القهر والإذلال حتى تبقى سجينة لهوى الحاكم!

هذا الواقع استمر بنا منذ أمد بعيد خاصة بعد ذهاب عصور الخير، بل وبعد سقوط الخلافة بشكل واضح أكثر من ذي قبل، حيث قامت دويلات وعليها سلاطين همهم أنفسهم والاستعلاء بها على الناس جميعًا، وقهر كل مخالف لهم أو منافس، في سبيل الحفاظ على الكرسي تقتل الشعوب وتدمر البيوت ويعتقل الأحرار وييتم الأطفال وترمل النساء...إلخ .

جُعلت الدول العربية كسجن كبير فسيح يضم بين باحاته ملايين المسلمين يروحون ويجولون ثم يعودون ليلًا إلى مهاجعهم من أجل أخذ قسط من الراحة، وفي اليوم الثاني نفس الأمر، وعلى أبراج عالية تراقب الدولة وأجهزة الأمن و المخابرات الوضع عن كثب و تسجل تقارير بتحركات الناس وأفكارها وتطلعاتها.

هذا الواقع الحقيقي الذي عاشه ويعيشه العرب والمسلمون منذ سنوات طويلة، وإن ظهر لهم على خلاف هذا، لكنها الحقيقة، أي مجتمع يمنع فيه بالمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، أي مجتمع يسجن فيه من طالب بتقسيم الثروة بشكل عادل بين أفراد الشعب، بل من يطالب بتوفير فرص العمل والإصلاح السياسي؟! هذا عهد الديكتاتورية والفاشية والنازية حذو القذة بالقذة.

عاشت الشعوب العربية عشرات السنين وهي تخاف من كلمة الحق، وتخاف من المطالبة بحقوقها المشروعة، عاشت وهي تترنح وتقاد للمعتقلات والسجون بمجرد التعبير عن الرأي والإفصاح عن الطموحات، سنوات مريرة قضاها المصلحون في الأقبية والزنازين، لأنهم قالوا للحاكم كلمة حق.

هذا الواقع مرير ومظلم وكالح، ولن يدوم طويلًا، وإنما الأيام اختبار ودول، والدائرة لا بد أن تدور على الظالمين، ولا بد للحق أن ينتصر يومًا ما، فإذا كان للباطل جولة فإن للحق جولات، وما شهد العالم في مرحلة الربيع العربي جزء يسير من هذا الذي نتكلم عنه، حيث انتفضت شعوب بأكملها على الديكتاتورية والنازية واسترجعت شيئًا من حقوقها وكرامتها المسلوبة، وأعادت للحرية معناها الحقيقي، وهي أن الإنسان لا بد أن يكون ويعيش حرًا في حياته وقراراته وتصرفاته وطموحاته، لا أن يحاسب الناس على نياتهم ومعتقداتهم كما هو حال الأنظمة الجائرة، حيث تتعدد التهم مرة "إخوان مسلمين" ومرة "سلفية" ومرة "جهاديين"، تهم باطلة وأسطوانة مشروخة من كثرة ما تكررت وأعيدت لسنوات طويلة.

لا يشعر الإنسان أنه الإنسان إلا بالحرية، الحرية شيء ثمين في حياتنا، ينمي فينا القوة والتحدي والإصرار وكل معاني الصمود، بالحرية نبني ثورتنا ومجدنا وذاتنا، لا بد للتحرر من قيود الأنظمة العميلة للغرب والانطلاق نحو فضاء الحرية كما أرادها لنا رب العالمين، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا.

بقلم: 
خديجة الخطيب












تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات