سوريا والخذلان المركب

سوريا والخذلان المركب

لطالما اعتقد السوريون دون أدنى شك من أي منهم بمسلمات بديهية لا تحتاج لإثبات أو برهان يدل على صحتها ولعل تلك المسلمات التي وثقوا بها هي التي ساهمت في بناء الشخصية السورية وطبيعة تعاملها مع الآخر سواء كان (سوريًّا) أو عربيًّا أو عقديًّا أوإنسانيًّا ولعل هذا ما أضفى على السوري الوطني المنتمي لهذا العالم ككل (والمتفرع إلى عقائد وقوميات وحتى طوائف) الطيبة المتمثلة بالتعاطف مع الآخر المظلوم ومد يد العون له والتفاني في سبيل مساعدته والتخفيف من آلامه والتاريخ البعيد والقريب يوثق ذلك من خلال تفاعله مع أحداث تاريخية عديدة لم يرض الوقوف صامتًا بسلبية تجاهها.

فقبل حوالي مئة عام استقبلت لاجئين قبارصة ويونان وأرمن وشركس وأحسنت إليهم ولم يرض شعبها ذو القلب الطيب لهؤلاء العيش أذلاء معدمين فعوملوا بإنسانية وود ومحبة وتم دمجهم في المجتمع دون تمييز رغم الإختلافات العديدة في الدين والانتماء القومي واللغة فأصبحوا مواطنين لهم كامل الحقوق.

وكذلك استقبل السوريون برحابة صدر ومحبة وافدين عرب فلسطينيين وكويتيين وعراقيين ولبنانيين عندما تعرضت بلدانهم لنكبات وحروب بل كان ألمهم لا يقل عن ألم أبناء جلدتهم فقدموا لهم كل ما يستطيعون في سبيل تخفيف معاناتهم وأكثر من ذلك اعتبرت قضاياهم جزءًا من قضية سورية وقدم الكثير من السوريين دماءهم في سبيل نصرتهم بلا منة انطلاقًا من مبدأ أن الجرح واحد والقضية مشتركة.

وما إن تعرض السوريون للمحنة التي دمرت بلادهم وقتلت أبناءهم وغيبت الكثير من فلذات أكبادهم في غياهب سجون السفاح #البهرزي ومن سانده من فاقدي الوطنية السورية الذين لم يروا في سورية وطنًا بل أقنعوا أنفسهم بأنها مجرد محميات طائفية يجب الذود عنها بكل ثمن حتى وإن كان ذلك بقتل إخوانهم ومواطنيهم فانسلخوا بذلك عن سورية الوطن وأصبحوا مجرد مرتزقة لدى الطاغية فخذلوا شركائهم في الوطن وكانوا خنجرًا مسمومًا ماضيًا في صدرهم وسدًا منيعًا في وجه ثورتهم وحريتهم!!

أما أشقاؤنا العرب فما كادت تصلهم طلائع الهاربين من المحرقة حتى تأففوا من العبء الذي شكله هؤلاء فتأفف الكثير ممن كنا نعتقد يقينًا أنهم السند والعون الذي نراهن عليه في الملمات ويا لخيبتنا فقد كان لبنان أقرب العرب سيفًا مصلتًا على رقابنا وما زال فلم يكتفِ أبناؤه وحكومته بالسير في ركاب القاتل فكانوا شركاء في القتل والإجرام على أرضنا بل تلقوا الفارين من إجرام حزبهم الشيطاني بالضجر والقرف وساموهم سوء العذاب في كل آن !!

وجريمة الأمس التي أحرق فيها العنصريون اللبنانيون مخيمًا للاجئين في المنية وتشريدهم نساء وأطفالًا ومسنين في ليل صقيع بارد ما هو جريمة واحدة من مئات حدثت وتحدث منذ سني نكبتنا وهي بلا شك لن تكون الأخيرة ما لم يتوقف تحريض (الحكومة) العونية الإيرانية ممثلة بحزب ايران اللبناني

وأما بقية العالم المنشغل عن إبادتنا المتعامي عن قتلنا متذرعًا في كل مرة بذرائع لا تقنع حتى أكثر الناس بلاهة فلم نعد نسمع عن الإنسانية وحقوق الإنسان والعدل والمساواة والحرية شيئًا ففي مأساتنا تعفت كل الشعارات البراقة ودفنت في مقبرة المصالح بينها وبين المجرمين فكان العالم خنجرًا آخر يغرس في جسدنا المترنح تحت وطأة السيوف التي لم تجتمع إلا علينا فذابت خلافاتهم الدينية والقومية والحقوقية فأجمعوا على التمثيل بنا في أخس توافق شيطاني عبر تاريخ البشر المعلوم.

فليست سوريا من أعان قاتلنا بغض النظر عن عرقه أو دينه أو طائفته وليس عربيًًا من خذلنا وتفنن باذلالنا وليس مسلمًا من لم يقدم لنا العون وينتصر لقضيتنا وليس إنسانًا من أدار الظهر لإبادتنا.

بقلم: 
محمود القداح












تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.