الحل السياسي في سوريا : آفاقه ومستقبله

الحل السياسي في سوريا : آفاقه ومستقبله
  قراءة

كان الحل السياسي متاحًا منذ البداية وتحديدًا بعد امتداد رقعة المظاهرات والمطالبات بإجراء تغييرات وإصلاحات جوهرية في أسلوب الحكم والتخفيف من قبضة الأجهزة الأمنية القمعية وتطبيق (الدستور) .

لقد بدا واضحًا حينها أن غالبيةً عظمى من السوريين قد حزموا أمرهم على المُضي قُدمًا من أجل إحداث التغيير ورفع الظلم والاستبداد وترسخت في وجدانهم ضرورة الاستمرار في الثورة حتى تحقيق أهدافها، وهذا بالضبظ هو ما لم يرد النظام والديكتاتور الطاغية رؤيته والاستماع إليه.

الحرب المفتوحة خيارٌ أوحد للنظام

لقد كان يكفي حينذاك إصلاحات بسيطة تخفف العبء الثقيل عن كاهل المواطنين وتشعرهم بشيء من المساواة والعدل أمام المكوّن الطائفي الحاكم والمستبد، لكن عوضًا عن ذلك اختار النظام وزمرته الحاكمة خوض غمار المواجهة مع الشعب الثائر آملًا تطويعه وإعادته إلى حظيرة الاستعباد، وبدا ذلك جليًّا في الخطاب الأول لرأس النظام بعد انطلاق الثورة المباركة، فتحدث بصلف وتحدٍ أنه مستعد للقتال والمنازلة !! لمن أراد وأظهر عداءً وحقدًا لا يخفى على كل منصف مستبعدًا أي إصلاح في بنية الحكم والسلطة.

وتردد صدى ذلك الخطاب العدائي سريعًا في أوساط مواليه، حيث ظهرت الشعارات الهمجية الاستعلائية من قبيل الأسد أو نحرق البلد..... إلخ، وتبين للجميع مدى انغلاق عقلية النظام عن التجدد والإصلاح والرضوخ للمطالب الشعبية المحقة.

فانطلقت الحرب منذ ذاك على أوسع نطاق بين سلطة تملك جيشًا نظاميًّا وعصابات أمنية عديدة مدججة بكافة أنواع الأسلحة وأشدها الحقد اللا محدود، وبين متظاهرين سلميين لا يحملون سوى أسلحة خفيفة ظهرت كرد فعل على حرب النظام المفتوحة ضدهم وضد أهلهم فكان لزامًا حمايتهم بما تيسر من سلاح قبل تلقي أي دعم خارجي أو الاستيلاء على بعض الأسلحة من ثكنات الجيش أو قطعان شبيحته.

حرب مفتوحة وجرائم لا تحصى للتمسك بالسلطة

كان النظام مؤمنًا بعمقٍ بأحقية بقائه وتسلطه دون نقاش أو اعتراض،  وكان واثقًا من قدرته على حسم المعركة ميدانيًّا ولو اضطر لاستخدام كل المحرمات من الأسلحة والوسائل والانتهاكات في سبيل ذلك.

وقد استخدم السارين فعلًا مرارًا وتكرارًا، إضافة للطائرات والبراميل وراجمات الصواريخ التي دمّرت المدن على رؤوس ساكنيها، ضاربًا بعرض الحائط القوانين والمواثيق الدولية مستندًا لحماية مطلقة في مجلس الأمن الدولي من قِبَل روسيا والصين على وجه الخصوص.

وبعد أن اشتد عود الثورة وأصبحت قوة لا يستهان بها تملك أرضًا محررة بلغت ثلاثة أرباع مساحة سوريا الإجمالية، وأمام ضغوط دولية رضخ كل من النظام والمعارضة للتفاوض في جنيف لإيجاد حل سياسي ينهي الحرب ورغم ضعف موقفه آنذاك إلا أن النظام أبدى خلال التفاوض عنادًا واضحًا وتوّعد بإغراق المفاوضات بتفاصيل تبدأ ولا تنتهي ويقف الشيطان على كل مفصل فيها بهدف التهرب من أية تنازلات والمماطلة لكسب الوقت والعمل على التقاط أنفاسه وترتيب أوراق قوته على الأرض.

مفاوضات لا نهاية ولا أفق لها برعاية دولية منحازة

بدأت الجولات وتم التوصل لبيان جنيف الذي ينص على مرحلة انتقالية بغياب رأس النظام لكن دون وضع آلية واضحة أو جدول زمني للتنفيذ فبقي حبرًا على ورق، إضافةً لغيره من البيانات الأخرى.

واستمرت الجولات لسنوات دون طائل، وكان خلالها يفرض النظام مع حلفائه واقعًا جديدًا على الأرض، وبدأ بالتحول لمصلحته لأسباب عدة وأصبح أكثر صلفًا ورفضًا لأي حل سياسي يفرض تغييرًا مهما كان طفيفًا في بنية النظام.

أعداء بعباءة أصدقاء

لم يدع حلفاء النظام وما يسمى أصدقاء الشعب السوري فرصة إلا ويؤكدون فيها أن الحل الوحيد في سوريا هو سياسي لمنع قوات المعارضة من الإجهاز على النظام ودخول العاصمة والكل يعلم أن ذلك كان ممكنًا منذ العام 2014 .

ومارس داعمو الجيش الحر ضغطًا شديدًا في ذلك الاتجاه بذريعة أن الحل الأمثل هو الحل السياسي ولم يكن ذلك سوى وسيلة لكسب الوقت وشق الصفوف لصالح بقاء النظام والأسد.

من جنيف إلى سوتشي وأستانة

منذ أن تحولت روسيا إلى المسيطر الأهم على الساحة السورية واختراقها صفوف الثوار وممثلي الثورة على حد سواء انخفض سقف المطالب وأصبح بقاء النظام كما هو مقبولًا بل وحتى بقاء بشار الأسد أس المشكلة وسببها الأبرز.

وكان آخر ما توصل إليه مبعوثو الأمم المتحدة بالاتفاق مع روسيا وممثليها في المعارضة السورية!! كتابة دستور جديد بعد موافقة مندوبي النظام وكأن مشكلة سوريا برمتها دستورية وليست ثورة شعبية للتحرر من الديكتاتورية والاستبداد.

ورغم هذا الاختزال المهين لتضحيات ومطالب السوريين إلا أن النظام عرقل حتى هذا الإجراء الهزيل ورفض أي تعديلات جوهرية في النصوص والمبادئ الدستورية دون رادع أو ضغوط دولية حقيقية تجبره على إيجاد حل ملائم وعطل بالمحصلة هذه الخطة.

نظام قاتل مستبد لا يفهم إلا لغة القوة

لم يكتفِ منتدبو النظام بتعطيل مباحثات اللجنة الدستورية بل صرح وزير خارجية النظام قبل أيام أن الحل في سوريا عسكريًّا وليس سياسيًّا مستندًا في ذلك إلى تقدمه على آخر ثغور الثورة وجبهات مقاومة سلطته في إدلب مدعومًا من حلفائه وعلى رأسهم روسيا وإيران.

أفق مسدود وحرب لن تنتهي ما بقي الأسد

يحاول النظام أن يستعيد كل شبر خرج عن سيطرته خلال سنوات الثورة بالقوة الفتاكة والحرب المفتوحة مدعومًا بالسلاح الروسي الإيراني ومرتزقتهم.

إلا أن ذلك لم يثن الكثير من السوريين عن الاستمرار في طريق الثورة وعدم التراجع عنها وعن مشروعيتها رغم تضاؤل المساحة المحررة وتناقص أعداد المنحازين إلى الخط الثوري.

لكن الإرادة الصلبة والقدرة على المواجهة والتصدي وتكبيد النظام خسائر فادحة ستؤثر حتمًا على قدرات جيش النظام المتهالك واقتصاده المنهار على المدى المتوسط، وسيبقى جزء لا يستهان به يرفض الرضوخ والانصياع، مما سيفرض على المجتمع الدولي والدول المتصارعة إزالة رأس النظام وإحداث تعديلات جوهرية في بنيته الاستبدادية تمهيدًا لحل الصراع والبدء بإزالة آثاره المدمرة وإلا فإن الحرب ستستمر لأمد بعيد مستمدة وجودها من التناقضات والصراعات الدولية.

بقلم: 
محمود القداح










تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات