تحديات الثورة السورية في ما بعد "نبع السلام"

تحديات الثورة السورية في ما بعد "نبع السلام"
  قراءة

بعد أن هدأ بعض غبار عملية "نبع السلام"، التي استهدفت ميليشيات قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، ثم بعد الاتفاق التركي - الأميركي، والتركي - الروسي، والتخلي الأميركي جزئيًّا عن العصابات الكردية، ونقل العصابات البندقية من الكتف الأيمن للأميركي إلى الكتف الأيسر للروسي؛ لا بدّ لنا أن نبحث في انعكاسات ذلك على الثورة السورية، والتحديات التي ستواجهها الثورة في مرحلة ما بعد عملية "نبع السلام"، لا سيّما أن العملية أكدت -بشكل قاطع- أن القوى الأجنبية في سوريا التابعة لدول شتى وعدة هي من يقرّر مصير سوريا بعيدًا كل البعد عن العصابة الطائفية الحاكمة والعناصر الثورية، لكن يتحمّل وزر ذلك كله الوريث القاصر بشار حافظ الأسد، الذي أدخل كل أجنبي لقتل الشعب السوري، ولا يزال يمارس هواياته المفضلة في التهجير والقتل والسلخ، رافضًا التنازل قيد أنملة لمن يفترض أن يكون شعبه، ويقابله عالم مجرم حقير يطالب بتدجينه وتعويمه.

الخروج الجزئي الأميركي من مناطق "قسد"، بلا شكّ هو مكسب للعصابة الطائفية في دمشق، بعد أن انحازت عصابات "قسد" إلى الاحتلال الروسي، وبالتالي لم تعد "قسد" معارضة للعصابة الطائفية بالمعنى السياسي على الأقل، مما يجعل المناطق الشمالية -وتحديداً في محافظة إدلب- تحت التركيز والاهتمام الروسي والأسدي في المرحلة المقبلة، وقد بدأ التمهيد له بقصف خطير على منطقة الكبينة بالساحل السوري، والتي سيكون سقوطها -لا قدّر الله- تهديدًا مباشرًا لجسر الشغور ومدينة إدلب مباشرة.

وبموازاة ذلك، يلحظ المرء حجم الإحباط وسط الجيش الوطني السوري الحرّ الذي قاتل إلى جانب الجيش التركي في مناطق "قسد"؛ إذ إن هذا الجيش كان يعتقد أنه سيدخل مدن عين العرب ومنبج وغيرهما ليعود هو -كون عناصره من تلك المناطق- ويعيد معه العائلات المشرّدة؛ ولكن الاتفاق الأخير الذي حرم الجيش الوطني من دخول تلك المناطق سيكون له تداعياته السلبية الكبيرة على الجيش، لا أحد يقدر على التكهن بمدياتها..

التحدي الحقيقي سيبرز في إدلب، وهو تحدٍّ عسكري وتحدٍّ سياسي خدماتي؛ إذ إن التشتت والتفرق الذي لا يزال ينخر في الساحة الثورة هناك، سيدفع ثمنه خمسة ملايين مقيم في المناطق الشمالية المحررة مع أول عدوان روسي أسدي، وبالتالي سيكون التهجير والاقتلاع مصيرهم كما حصل مع حوالي نصف مليون مشرّد خلال الهجمة التي بدأت في مايو الماضي واستمرت لأربعة أشهر متواصلة، والظاهر أن القوى الثورية في تلك المناطق لم تتخذ موقفها من أجل تطوير تنسيق عملياتها في الفتح المبين، بحيث يتناسب وتحديات جديدة عنوانها "استفراد العدو بساحة واحدة، وانشغال الحليف التركي بشرق الفرات الآن".

ومع فتح الطرق الدولية بين العصابة الطائفية والعصابة الكردية "قسد"، ووصول قوات النظام إلى قواتها المحاصرة في القامشلي، يتخوف الأهالي في المناطق الشمالية من أن يؤدي ذلك إلى قطع الوقود الذي كان يأتيها من المناطق الكردية، والأخطر من ذلك ربما عودة نقل النفط من المناطق الكردية إلى العصابة الطائفية. ولا يهم هنا تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إبقائه 200 من قواته لحماية آبار النفط في المناطق الشرقية.

لا شكّ أن العصابة الطائفية ستنشر قواتها في مناطق أوسع، وقد تبدأ بعمليات من خلال ذراعها الميليشياوي الكردي بمناطق الوجود التركي، تماماً كما كان يحصل خلال الفترة الماضية باستهداف مناطق الوجود التركي بسيارات مفخخة وعمليات تسلل ونحوها، وهو ما يُبقي التركي تحت الضغط والحاجة للتفاوض مع العصابة الطائفية، التي أثبتت -للمرة الألف خلال الثورة السورية- أنها مجرد بيدق، ومجرد "تيس مستعار" لشرعنة الاحتلالات والوجود الأجنبي على الأرض السورية.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب



تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات