أميركا.. خروج من أفغانستان وولوج في سوريا

أميركا.. خروج من أفغانستان وولوج في سوريا
  قراءة

بينما كانت الوفود الأميركية توقّع وثيقة المصالحة مع حركة طالبان الأفغانية بشأن الانسحاب من هناك، منتزعة ما تراه تنازلًا طالبانيًّا بتعهد الأخيرة بعدم شن أي هجوم من أراضيها على المصالح الأميركية، كانت طائرات حربية أميركية تشن غارات على معاقل ما توصف بأنصار التوحيد السورية، مخلفة وراءها عشرات القتلى والجرحى، وتدمير لمبنيين كانا يتدربان في داخلهما ثلة من الشباب لا علاقة لهم بتاتًا بما أعلنت عنه أميركا من انتمائهم لتنظيم القاعدة، إذ إن كل من يتابع الشأن السوري يعرف أن الذراع الذي بايع التنظيم هو حراس الدين الذي لا يخفي بالمناسبة انتماءه للتنظيم ومبايعته لرأس التنظيم أيمن الظواهري.

بورصة التحليلات والشكوك بخصوص الخطوة الأميركية ارتفعت مع تنفيذ واشنطن الضربة، التي جاءت بعد جهود من أجل لجم العدوان الروسي على الشمال المحرر، والذي خلف على مدى 125 يومًا مئات الشهداء والجرحى وتدميره لبنى تحتية رهيبة، بالإضافة إلى تهجير أكثر من مليون مدني من بيوتهم، وهدد تركيا بمظاهرات عارمة على الحدود تطالب العالم بوقف العدوان، أو فتح الحدود للمحاصرين في الشمال المحرر للخروج إلى أوروبا طلبًا للأمن والأمان.

الخطوة الأميركية لم يكن لها تفسير سوى أن واشنطن هي صاحبة القرار الأول والأخير في سوريا، وأنها المحصنة هناك طوال السنوات الماضية من أي هجوم عليها وعلى قواتها قادرة بالمقابل على تنفيذ أي هجمة أو ضربة تريدها، والحقيقة الواضحة الناصعة أن لا تنظيم في سوريا هدد المصالح الأميركية طوال ثورة الشام، كما أنه لا تنظيم وفصيل في كل دول الربيع العربي هدد أميركا ومصالحها طوال السنوات الماضية، على الرغم من قصفها عشرات المرات لتنظيمات وفصائل في سوريا، لتخلف وراءها مئات وربما آلاف القتلى، ومع هذا لم يتم استهداف أو تهديد المصالح الأميركية، وثمة من يعتقد أن الاستهداف ليعوض النقص الأميركي في أفغانستان، فهي لم تقم بمثل هذا القصف هناك، لأن الساسة الأفغان حتى المتحالفين معها، سيقومون بردات فعل قوية ضدها، كما حصل في السابق، وهو الأمر الذي خلت منه الساحة السورية للأسف.

لم يعد هناك تنظيم للقاعدة، تمامًا كما لم يعد هناك أي تهديد للمصالح الأميركية والغربية، فالتنظيم انتهى بمقتل زعيمه أسامة بن لادن في أبوت أباد بباكستان، وكذلك بظهور الربيع العربي، فضلًا عن أن تهديد التنظيم توقف تمامًا منذ ضربة الحادي عشر من سبتمبر، حيث لم يسجل منذ ذلك التاريخ أي تهديد جدي للغرب، ولكن يتم استخدام هذه الذريعة حتى اليوم كما تستغل ذريعة المحرقة، بينما رأينا الصمت الأميركي عن كل التنظيمات العراقية واللبنانية التي ضربت مصالحها على مدى عقود، ووصل بعض هذه التنظيمات إلى برلمانات وحكومات، ويقوم ممثلو هذه التنظيمات بزيارات خارجية، ويتم استقبالهم رسميًّا، دون أي رفض أميركي، بل وحتى بمباركة.

بالعودة إلى أفغانستان، فأميركا التي أدركت بعد 18 عاماً أنه لا بد لها من التصالح مع حركة آوت بالأمس زعيم تنظيم القاعدة، ورفضت في الوثائق الموقعة معها -بحسب ما تسرب- أن تتحدث أو تتطرق لمسألة إيوائها التنظيم وأفراده من عدمه، ومع هذا تصمت أميركا عن الأمر، في حين تطارد مقاتلين سوريين همهم الأول والأخير مقارعة الظلم الحاصل عليهم منذ عقد، بعد أن منعتهم أميركا على مدى إداراتها السابقة من سلاح نوعي يوقف عدوانًا رهيبًا على المدنيين ويهدد البلاد وحتى الجيران.

لن يكون بعيدًا أن تعترف واشنطن بخطيئتها الرهيبة في الشام، التي لم تهددها يومًا، فضلًا أن تقوم بأعمال عدائية ضدها، على الرغم من قيامها هي بكل الأعمال العدائية المصنفة دوليًّا كذلك، وستدرك يومًا ما واشنطن أنها كانت في الجانب الخاطئ للتاريخ، حين ضحت بكل القيم والمثل التي رفعتها ولا تزال منذ عقود لحساب عصابة طائفية مغتصبة للسلطة، فذهبت إلى تأييد احتلال متعدد الجنسيات لبلد كل همه كان التخلص من عصابة استبدادية حكمته لنصف قرن.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب




تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات