الثورة السورية والعودة إلى السلمية

الثورة السورية والعودة إلى السلمية
  قراءة

بين تظاهرات سلمية ضد النظام السوري المجرم وبين تظاهرات سلمية ضد النظام الدولي ثماني سنوات ونيّف، جرّب فيها السوريون كل أنواع الصمود والثبات أملًا في انتزاع حرية غابت عنهم لنصف القرن حكمت فيها العصابة الطائفية الشعب السوري بالحديد والنار.. بالأمس القريب تظاهر الآلاف وربما عشرات الآلاف من السوريين أمام معبر باب الهوى الدولي المطل على الحدود التركية؛ بل والمطل بالنسبة لهم على العالم كله بعد أن سُدّت كل الأبواب والمعابر في وجههم بسبب سيطرة الاحتلالات المتعددة على بلادهم ومعابرها، وتحوّل العصابة الطائفية إلى بيدق يتم تحريكه عند الطلب.

إذن، تظاهر الآلاف من السوريين في ساحات معبر باب الهوى، وتمكّن أغلبيتهم من دخول الأراضي التركية، كان المطلب الأوحد لهم أنهم يريدون البقاء في أرضهم، وأنهم متشبّثون بها لا يريدون عنها بديلًا تركيًّا كان أو أوروبيًّا، كانوا يطالبون الضامن التركي بالقيام بواجبه بحسب الاتفاقيات التي تعهّد بها الروس وإيران من خفض التصعيد؛ ولكن هذا الأخير لم يجلب لهم إلا قضم البلدات وتدميرها وتهجير أهلها؛ مما غدا من الصعوبة بمكان عودتهم إليها إن فكّروا فيها بعد هذا الدمار والخراب الذي ألحقه بها المحتلون والغزاة، فضلًا عن تهجير أكثر من مليون شخص.

التظاهرات السلمية التي آتت ثمرتها فورًا، حين أعلن الاحتلال الروسي عن وقف عدوانه فورًا ومن جانب واحد، يحدث هذا في الوقت الذي كان النظام السوري يقصف حلب ويبدأ استراتيجية عسكرية جديدة بالعمل على إبادة ما تبقّى من بلدات وقرى حلبية، وهو ما يشير إلى قيمة النظام السوري العميل عند أسياده، فانقلب النظام حينها مائة وثمانين درجة بالتزامه فورًا بما أملى عليه الروس من وقف للعدوان.

كل الجرائم التي امتدت لمئة وثلاثين يومًا من تدمير بلدات وقرى وسياسة الأرض المحروقة لم تحرّك العالم ولم تحرّك روسيا من أجل وقف عدوانها، كما أن لقاءات الأستانة ولقاء القمة بين الرئيسين بوتين وأردوغان لم يوقفا العدوان، حتى أوقفته مظاهرات واحتجاجات. ويبدو أن الأمر متعلق بالتهديد الذي تشكّله مثل هذه المظاهرات السلمية على أوروبا والعالم كله من نزوح أكثر من أربعة ملايين ساكن بالشمال المحرر صوب أوروبا، وهو ما أشار إليه وزير خارجية تركيا مولود تشاويش أوغلو.

بالإضافة إلى ذلك ثمة من يتحدث اليوم عن رغبة أميركية في تحويل التفاوض من الأستانة إلى جنيف، ومن ثم العودة إلى المسار الأول برعاية دولية، وهو ما يشكّل إحراجًا للروس الذين آثروا الاستفراد بالثورة السورية بعيدًا عن المقررات الدولية، فجاء وقفهم للعدوان إحباطًا لهذه الخطة الأميركية، ونزعة المتظاهرين إلى المطالبة بالعودة للمسار الدولي فسّره مباشرة تصريحات وزير الخارجية الأميركي بومبيو حين قال إن وقف النار في إدلب ينبغي أن يدفعنا إلى البحث عن تسوية سياسية.

المهم بالنسبة للثورة السورية والثوار اليوم هو استغلال هذا المخزون التظاهري لدى الشعب السوري، وتوجيهه بالطريقة الصحيحة، أولًا لتذكير العالم كله بسلمية الثورة السورية وأنها لم تكن عسكرية في يوم من الأيام لو لم يرد لها النظام السوري ومن خلفه ذلك، وثانيًا ضرورة دعم وتشجيع المتظاهرين، بنصب الخيام والاعتصام على الحدود مع تركيا، عبر لجان منظمة للمظاهرات والمتظاهرين بعيدًا عن التخريب والعبث بممتلكات الثورة والإضرار بالجار التركي؛ فما تريده الثورة والثوار اليوم هو أن يصغي العالم إليهم بوقف الاحتلال ورحيله عن أرضهم؛ فهو أسّ المصائب والدمار والخراب والتهجير والقتل والاعتقال.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات