ترمب.. ومبدأ النصر مقابل الإبادة

ترمب.. ومبدأ النصر مقابل الإبادة
  قراءة

أعاد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب -خلال استقباله رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان في البيت الأبيض- بأنه لم يشأ الانتصار في أفغانستان لأن هذا يعني محو البلد من على الخريطة، وقتل عشرة ملايين إنسان، أعاد إلى الذاكرة الانتصارات الوهمية التي تحققها القوات الأجنبية في سوريا والعراق وغيرهما على أشلاء وطن وبنيه، وحينها ماذا يعني هذا الانتصار الذي يفني أمة وبلادًا بأكملها، ولمن سيُهدى في هذه الحالة، ومن سينعم به؟! ومن سيجني ثماره؟

اليوم نتأكد كيف كان الانتصار الأميركي في العراق يوم قتل مئات الآلاف، واليوم نرى الإصرار الروسي على الانتصار في سوريا على أنقاض مدن وقرى وبلدات، ومن قبل رأينا الانتصار الذي أعلنه الرئيس الأميركي على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في الباغوز بالجزيرة السورية، والذي كلف إبادة المنطقة بالكامل وقتل الآلاف من أهلها أطفالًا ونساء وشيوخًا، مع تهجير من تبقى، ونرى مخيماتهم في الجزيرة تحت رحمة الميليشيات الكردية التي تذيقهم سوء العذاب، دون أن تفعل لهم القوات الأميركية شيئًا.

يرفض الرئيس الأميركي وغيره الاعتراف بالحقيقة المرّة أنهم فشلوا في كسب القلوب والعقول، وبالتالي كنا بحاجة لـ 19 عامًا من الحرب في أفغانستان لإقناع الرئيس الأميركي ومن حوله بأن الحل العسكري غير ممكن، وبأن هذا الحل سيكلف هذا العدد الرهيب من القتلى والجرحى، فضلًا عن جراحات عميقة بين شعوب ودول وحضارات، ستدفع الأجيال المقبلة أثمانها لعقود وربما أبعد من ذلك.

لم يعُد بالإمكان حكم الشعوب بالريموت كنترول، ولم يعُد بالإمكان حكمها بالحديد والنار، ولم تعُد الشعوب بخيلة كما كانت في الماضي بتقديم قرابين الحرية، بعد أن رأت الارتباط العضوي الرهيب بين الاستبداد المحلي والاحتلال الأجنبي، إن كان في ليبيا أو في سوريا والعراق وأفغانستان ومصر وغيرها من الدول، التي بدا الاحتلال الأجنبي حريصًا كل الحرص على أقلية استبدادية حاكمة، حتى لو تم القضاء على مئات الآلاف وربما أكثر ثمنًا لبقائها في السلطة، تحقيقًا لمصالح أقلية استبدادية مجرمة.

لعل ما يميز هذه المرحلة عن غيرها من المراحل التي تعرضت فيها الأمة للغزو والاحتلال، هو افتقار المحتل والاستبداد للنخب التي كانت تدعمه سابقًا، فغالبية النخب إن لم يكن كلها في صفّ الثورة والربيع العربي، وبالتالي غدا أعداء الاستبداد ومن خلفهم الشعوب المنتفضة ومعها نخبها في صف واحد، ولذا سيتعذر على الثورة المضادة تعويض ذلك إلا بمبدأ الإبادة والقتل الجماعي ربما الذي عناه الرئيس الأميركي، والذي يطبقه هو وغيره في مناطق ورقع جغرافية أخرى.

بكل تأكيد، فإن رئيس الوزراء الباكستاني الذي كان يستمع لترمب وهو يتحدث بهذه الطريقة كان يرقص طربًا، فباكستان اعترضت منذ البداية على التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان، ودعت مرارًا وتكرارًا لتجنب العمل العسكري، لكن واشنطن حينها رفضت الإصغاء للسلطات الباكستانية، اليوم يطلب ترمب من باكستان التدخل والمساعدة في إقناع "طالبان" بالدخول في تسوية سياسية سلمية، ويمنّ عليها بعرض نفسه كوسيط في القضية الكشميرية، بل ويقول إن رئيس وزراء الهند طلب منه ذلك الأمر الذي رفضه الأخير مباشرة، ونفى أن يكون قد طلب ذلك، فالهند منذ اتفاقية شيملا 1965 نجحت في انتزاع تنازل باكستاني بأن يكون الحل ثنائيًّا، فكيف تقبل وساطة طرف ثالث؟! فهل ربط ترمب هذا المبدأ مع عرض الوساطة في كشمير يرمي إلى تجنب ما يحذر منه؟!

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات