الاستبداد العربي وخرافة عسكرة الثورة

الاستبداد العربي وخرافة عسكرة الثورة
  قراءة

من المضحك أن تمرّ أكذوبة وخرافة النظام السوري على البعض اليوم، بل وباتوا يكررونها دون أن يعوا مآلاتها، ودون أن يدركوا أنهم ربما يكونون أبواقًا للأسد وللاستبداد بشكل عام، وهي خرافة أن بقاءه في السلطة إنما يعود إلى تدفّق ما يصفه وينعته بالإرهاب الأممي العابر للحدود، أو بالجماعات الإسلامية المسلحة التي وفّرت له المبرر والذريعة أمام المجتمع الدولي ليسحق الثورة السورية، وكأن النظام السوري نظام ديمقراطي مؤسساتي مدني لا يُسقطه إلا تحرك مماثل من طينته، وهو التحرك المدني الديمقراطي، وينسى النظام ومردّدو خرافته أنه هو من استدعى الاحتلالات المزدوجة، وتدّثر بالكيان الصهيوني للبقاء في السلطة، أو ليس هو من استخدم كل الأسلحة الفتّاكة بحق الشعب السوري؟!، وأليس هو من بنى السجون أكثر من المدارس منذ اغتصابه السلطة عام 1963؟ وأليس هو من استنجد بالإرهاب الأممي العابر للحدود من ميليشيات طائفية عربية وأعجمية والتي نراها اليوم في كل شبر من الجغرافيا السورية؟، فهل يحق له ما هو محرم على غيره؟!

إن من يُرَوّج لمثل هذه الخرافة لا بد من تذكيره بأن الحراك السلمي النخبوي الذي انطلق في دمشق، عقب مهزلة الدستور الذي تغير في خمس دقائق، ليفصّل على مقاس بشار حافظ الأسد، فسحق معه يوم ربيع دمشق، وأوقف يومها كل الصالونات السياسية، والتي كانت كلها بلا طعم إسلامي ولا لون ولا رائحة، ومع هذا كله لم يتحمل النظام السوري وجود أية معارضة يسارية أو ليبرالية، فزج من زج بالسجون، وشرّد من شرّد، وأسكت من أسكت، فكان القمع عنوانه بحق من يطالب بأي تغيير.

وينبغي تذكير كل من ذاكرته ضعيفة بأن هذا النظام -ومنذ يومه الأول- لم يتحمل رفاقه، فضلاً عن أن يتحمّل معارضة من يُفترَض أن يكون شعبه، فكيف سيتحمل وجود من يساعد هذا الشعب المسكين المقهور في مواجهة أحقر نظام؟ وأحقر نظام عالمي يقوم بدعمه ومساندته، الكل يذكر كيف لاحق معارضيه منذ الستينيات من محمد عمران العلوي وقتله في لبنان، وكيف سجن صلاح جديد العلوي، ونور الدين الأتاسي، وسليم حاطوم، والمئات ممن عارضوه، فكان السجن والقتل المجزأ مصيرهم، بعد أن هدهم بالاعتقال والتعذيب والإذلال.

لم ينفع مع النظام السوري السلمية، كما لم تنفع السلمية مع النظام العربي المستبد بشكل عام، فها نحن نرى ما جرى في الثورة المصرية يوم سكت ربيعها، ورفعت شعار السلمية، فلم يكتف الاستبداد هناك باغتصاب السلطة، وإنما لاحق ويلاحق اليوم كل أحرارها، فهل كان هناك إرهابيون أمميون بحسب توصيف النظام السوري وغيره؟ بل ويلاحق كل دولة وقفت مع الربيع المصري وثورته، وها هو الاستبداد في اليمن وليبيا واليوم يتكرر في السودان، بحيث يرفض أي ثورة سلمية مدنية، ويصر على جرّ الثورة إلى مربعه وهو مربع العسكرة، كونه الأقوى فيه لاحتكاره السلطة والسلاح، ليس للاستبداد حاجة في وجود جماعات إسلامية مسلّحة أجنبية عن هذه الدولة أو تلك، فكلها أكاذيب وأضاليل، هدفها تبرير سحق حركة الشعوب، ويتفننون في تقديم هذه التبريرات وفيكم سمّاعون لهم، والشعوب اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تقبل بالسلمية والمدنية، وحينها مصيرها كمصير الثورة المصرية في سجون العقرب وأمثاله، وإما العسكرة، فحينها سيتشدق البعض بما يتشدق به النظام السوري ويردده الأغبياء، خيار لم تختره الشعوب ونخبها، بقدر ما هو مفروض عليها محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، فهل الميليشيات الأجنبية التي أظهرتها كاميرات التلفزة المقاتلة مع المتمرد حفتر ليبية؟!، لكن حلال على بلابله الدوح.. حرام للطير من كل جنس، وكما قال السيد المسيح عليه السلام: "ارموا الحجر من الجحر الذي انطلق منه"، وقالت العرب قديمًا: "وداوها بالتي كانت هي الداء".

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات