استهداف المشافي السورية.. والمسؤولية الأممية

استهداف المشافي السورية.. والمسؤولية الأممية
  قراءة

بعد أكثر من ستين يومًا على عدوان النظام السوري وسدنته الروس كانت حصيلته تدمير أكثر من 23 منشأة طبية، تعلن الأمم المتحدة -وفي خبر وصفته وسائل الإعلام الدولية بـ "العاجل"- أنها طلبت من روسيا معلومات عن كيفية استخدام إحداثيات المرافق الطبية التي زوّدتها بها المنظمة الدولية في سوريا. إذن، ستون يومًا من استهداف المرافق الطبية التي راح ضحيتها طواقم طبية وجرحى ومدنيون كانت ضرورية حتى تطلب الأمم المتحدة من روسيا -وفي خبر عاجل- كيفية استخدام المعلومات التي زوّدتها بها عن مواقع وإحداثيات المرافق الطبية.

تتذرع الأمم المتحدة بأن تقديم هذه المعلومات مهم لمعرفة من قصف واعتدى على هذه المرافق، بينما العالم كله يعرف أن من لديه الطيران هو المعتدي، ومن ثم فهو الذي يقصف. وثماني سنوات من قصف هذه المرافق كانت كافية للأعمى ليعرف من يفعل ذلك؛ فالأمر ليس بحاجة إلى شرلوك هولمز ليفك تعقيداته وخلفياته. لقد سبق هذا أربع سنوات بالتمام والكمال، حيث تعرضت عشرات المرافق الطبية للقصف الروسي، وتحديدًا أيام العدوان الرهيب على حلب عام 2015، وابتلعت الأمم المتحدة -كعادتها- تلك الجرائم الرهيبة دون أن ترفع القضية إلى الجلسات العمومية أو حتى إلى وسائل الإعلام. وقد وثّقت يومها كاميرات المشافي القصف الرهيب، على الرغم بالطبع من تزويد الأمم المتحدة الروس والنظام السوري بإحداثيات المشافي، فكان تزويدهم بهذه المعلومات تسهيلًا للمهمة.

إذن، ما الجديد اليوم حتى يصحو ضمير الأمم المتحدة بعد شهرين على تدمير 23 منشأة طبية في الشمال المحرر؟ وما الجديد والعالم كله يرى استخدام الأسلحة كافة المحرّمة دوليًا بحسب تصنيف المنظمة الدولية ذاتها؟ مثل استخدام البراميل المتفجرة التي كان مجلس أمنها الدولي قد حظره تحت البند السابع، ولكن مع هذا واصل النظام ومعه الروس استخدامه واستخدام غيره من الأسلحة المحرّمة دوليًا؛ كالقنابل الحارقة، وقنابل النابالم، وحتى الكيماوي المعدّل من الكلور السام الذي أكدت استخدامه المصادر الأميركية والفرنسية في العدوان الأخير. ومع هذا، لم يُتخذ أي عمل ضد المستخدم.

لقد سبق أن صنّف قادة الروس أصحاب الخوذات البيضاء من الدفاع المدني في الشمال المحرر بأنهم "إرهابيون"، وضنّوا على الشعب السوري بوجود فِرَق لإنقاذ ضحاياه وانتشالها بعد أن حوّلوا الجغرافيا السورية اليوم إلى ركام وخراب ودمار، والأخطر من هذا كله استهداف المشافي والمدارس والبنى التحتية من أجل إرغام المدنيين على ترك منازلهم وبلداتهم؛ أملًا في تغيير ديمغرافي يغيّرون من خلاله وجه المنطقة برمتها.

العدوان والإجرام ليس باستهداف المشافي فقط؛ فعلى مدى ثماني سنوات ونحن نرى استهداف المدنيين السوريين وقراهم وبلداتهم، ونرى معه توقّف الأمم المتحدة حتى عن إحصاء قتلى السوريين. ومن ثم، توقّف كثيرون عند آخر إحصاء للأمم المتحدة، والذي كان ربع مليون، وهذا كان قبل أربع سنوات. فالعدوان هو عدوان كلي شامل مستمر ومتواصل، ولا يوجد في الأفق ما يشير إلى رغبتهم في وقفه، والتوقف عنه. وكل الاتفاقيات التي وقّعوها بخفض التصعيد رأينا نتائجها وعواقبها في درعا وريفي دمشق وحمص؛ فقد كانت دمارًا وخرابًا واستسلامًا. واليوم، جاء الدور لنقض الاتفاقيات التي وقّعوها قبل أن يجف حبرها مع تركيا في الأستانة وسوتشي، فبدؤوا عدوانهم على إدلب، التي كانت لقمة أكبر من أفواههم جميعاً. ولذا، فهم يندحرون على أسوارها بفضل الله أولًا، ثم بفضل تكاتف كل أحرار سوريا الذين هجروا المناطق المحتلة صوب المحرر في أرياف إدلب وحماة والساحل وحلب، وهو ما دفع المحتل وذيله إلى استخدام كل ما لديهم من أسلحة إجرامية على أمل كسر إرادة الشمال المحرر الصامد بفضل الله ثم بجهود أهله وجارته تركيا.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات