لغز ما تردد عن هدنة بالشمال المحرر

لغز ما تردد عن هدنة بالشمال المحرر
  قراءة

ترددت في الفترة الأخيرة عن طلب روسيا إعلان هدنة مؤقتة في الشمال المحرر، تم تسريبها من خلال الأتراك للفصائل الثورية، لكن الأخيرة رفضتها على ما يبدو دون أن تعلن ذلك، كما رفضت من قبلها هدنة مماثلة مطلع رمضان وذلك بعد أيام على سيطرة القوات الروسية وميليشيات النظام على قلعة المضيق وكفرنبودة، أملًا بفرض واقع عسكري جديد عنوانه دبيب النمل، والذي يهدف إلى قضم المناطق المحررة قطعة قطعة.

الواضح أن الهدنة تم تمريرها إلى الفصائل الثورية عبر الضامن التركي، وبغض النظر عن الأهداف الخفية للجانب الروسي، والتي يراها المقاتلون بأنها تهدف إلى تموضعات عسكرية جديدة على الأرض، بعد أن أنهكتهم تكتيكات الثوار الاستنزافية على مدى الشهرين الماضيين، حيث برز بشكل واضح ضعف أداء ميليشيات النظام السوري، وعجزها عن التقدم على الجبهات الاستراتيجية المهمة، وعلى رأسها جبهة كبينة بالساحل السوري التي كما وصفها المراقبون بأنها غدت مثلث برمودا، وثقبًا أسود لميليشيات النظام وداعميه الروس والإيرانيين، من حيث حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها هناك.

لكن الرسالة الأهم التي توقف عندها المراقبون، وهي أن العرض الروسي الجديد إنما ينسف كل الرواية الروسية التي تقول: إن حربها على الإرهاب والجماعات الإرهابية، وإلّا فكيف يتم إعلان هدنة مع تنظيمات ومجاميع إرهابية، فهذا اعتراف بها وبشرعيتها. وبغض النظر عن حديث البعض أن هذا لم يتم بشكل رسمي وعلني، فإن كل التحركات السياسية والدبلوماسية تاريخيًّا تبدأ وتتم بهذا الشكل ولا تحصل دفعة واحدة، ولعل تحرك الولايات المتحدة الأميركية باتجاه حركة طالبان الأفغانية، والتفاوض التدريجي الذي وصل إلى ما وصل إليه، قد سبقه مفاوضات تدريجية ربما شبيهة بما تتنازل عنه روسيا عمليًّا في هدنها، وربما لاحقًا التفاوض مع الجماعات الثورية في سوريا، ولروسيا تاريخ في هذا، يوم قاتلت المجاهدين الأفغان لعقد كامل، ثم نزلت من فوق الشجرة لتتفاوض معهم وتقبل بهم، ولعل استقبال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أخيرًا وفدًا طالبانيًّا رفيع المستوى في موسكو دليلًا على ذلك، ولا يخفى أن طالبان متهمة دوليًا بإيواء رأس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، فهل الجماعات الثورية في سوريا أشد تشددًا ممن آوى وحمى ورفض تسليم شخصية مثل ابن لادن!

إذن ثمة أبعاد للهدن، وهذه الأبعاد سياسية بالدرجة الأولى، ولعل الصورة التي خرجت فيها الفصائل الثورية بوجود زعيم هيئة تحرير الشام أبي محمد الجولاني، كانت رسالة للفصائل الثورية المصنفة بأنها معتدلة على أن الجميع في مركب واحد، وهو ما أضعف الرواية الروسية تمامًا في حديثها عن فصل الفصائل المعتدلة عما توصف بالمتشددة، فنسفت الفصائل هذه الرواية بخروجها بصورة تجمع الجميع، لتقول إن ما تم تطبيقه في مناطق خفض تصعيد أخرى لن يمرر في الشمال المحرر تحت هذه الذريعة.

الخلاصة أن النظام السوري انتهى منذ فترة، فلا سياسيًّا يملك السيادة، ونحن نرى اختطاف السياسة من قبل الروسي والإيراني، وكذلك العسكرة لا سيطرة له عليها، في ظلِّ انهيار قواته وتفسخها، والأهم من ذلك كله التدهور الاقتصادي والمعيشي في مناطقه الخاضعة لسيطرته، بالمقابل نرى تحرك الفصائل كلها بالشمال المحرر باتجاه تنسيق وتعزيز صفوفها، تجلى ذلك بغرفة عمليات الفتح المبين، وهو ما ذكر بجيش الفتح الذي تشكل قبيل تحرير إدلب وغيرها من المناطق المهمة.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات