هل سيكونُ مصيرُ إدلب مشابهًا لمصير الغوطة؟

هل سيكون مصير إدلب مشابها لمصير الغوطة؟
  قراءة

منذ أسابيع والنظام السوري _مسنودًا بسلاح الجو الروسي_ يحاول التقدم في ريفي حماة وإدلب، متبعًا تكتيكه المفضل "الأرض المحروقة"، مع استهداف مباشر للمناطق المأهولة بالمدنيين في عمق المناطق المحرَّرة في الشمال بكافة الأسلحة التدميرية بغية إيقاع أكبر حصيلة ممكنة في الأرواح والممتلكات. ورغم الزخم الهجومي الذي استهلَّ به النظام حملته على آخر معاقل الثورة السورية فإنه سرعان ما انكسر زحفه وتعثَّر تقدمه بعد استنفار فصائل الشمال ودفعها بتعزيزات مهمة إلى خطوط المواجهة.

ربما يدرك النظام أن مغامرته على تخوم الشمال المحرر لن تكون كسائر المغامرات التي خاضها وكان الظفر فيها لصالحه، سواء في حلب أو الغوطة الشرقية أو حمص أو درعا.. وأن حساباته الاستراتيجية ينبغي أن تتغير جذريًّا وهو بصدد الزحف إلى إدلب، المدينة التي لا تزال على قيد الثورة، وتضم بين أسوارها فصائل قوية وآلافًا من النازحين والمهجرين الغاضبين.

لم تأت الحملة الأخيرة للنظام على الشمال المحرر إلا بعد أن خسر كل الرهانات التي علَّقها على فاعلين آخرين اعتقد أنهم يستطيعون إعفاءه من عبء اجتياح المنطقة أو على الأقل يتقاسم معهم فاتورة إخضاعها. حيث قام في العام الماضي بفتح الطريق لعناصر تنظيم الدولة حتى يتمكنوا من دخول مدينة إدلب، ليخلقوا الفوضى وعدم الاستقرار هناك، لكن النظام خاب في مسعاه هذا عندما تم التصدي لزحف التنظيم بقوة من قبل هيئة تحرير الشام، ولم يتمكن من دخول المدينة رغم أن النظام كان يشاغل الثوار في محاور أخرى، في تبادل مخزي للأدوار تم توثيقة بالصور والخرائط.

بعد احتراق ورقة تنظيم الدولة عسكريًّا وأمنيًّا؛ عسكريًّا من خلال التصدي لتقدمه في أطراف المحرر، وأمنيًّا من خلال الحملة الأمنية الواسعة التي أسقطت معظم خلاياه في عمق مدينة إدلب وبلداتها ووأد ما يسمى "ولاية إدلب" في مهدها؛ لجأ النظام إلى ورقة أخرى ظهر له جدواها في عدد من المناطق خصوصًا في درعا والغوطة الشرقية، وهي ورقة المصالحات، وهي إجراءات يتم بموجبها إعادة تدوير بعض المجموعات المسلحة المحسوبة على الثورة لتصبح قوة قتالية ضمن تشكيلات النظام برعاية من بعض الوجهاء والأعيان إما خوفًا أو طمعًا، وهي الإجراءات المعروفة بـ" تسوية الوضعية" وتضمن لمن انتسب سابقًا لفصائل الثورة عدم المساءلة القانونية بعد عودته إلى "حضن الوطن". لم يستطع سفراء المصالحات وعرابوها تسويق مشروع العودة إلى حضن الأسد في الشمال المحرر مصطدمين بخطة أمنية استباقية أطلقتها هيئة تحرير الشام ورفض شعبي قاطع لأي مصالحة مع نظام بشار الأسد.

لعل المتغير الأهم الذي يجعل من استنساخ سيناريو المناطق الأخرى في الشمال المحرر متعذرًا ومستبعدًا هو ذلك القدر الكبير من التوافق والانسجام الذي يميز الشمال خصوصًا على صعيد تدبير الشأن العام ورعاية مصالح الناس، إذ تضطلع حكومة الإنقاذ المنبثقة عن المؤتمر السوري العام بهذه المهمة، ما يجعل الشمال في منأى من المحاصصة الفصائلية التي طبعت تجربة الفصائل في الغوطة الشرقية وغيرها. هذا من جهة, من جهة أخرى يُعتبر القرار العسكري في الشمال المحرر شبه موحد، والتنسيق بين الفصائل في أعلى مستوياته، ما يعني أن النظام سيجد مشكلة حقيقية في التعامل مع ساحة كهذه، وهو الذي اعتاد القضم التدريجي لمنطقة كل فصيل على حدة، مستغلًا حالة الصراع والتنافس بين الفصائل. فقد تابع الجميع كيف استفرد بمناطق الغوطة الشرقية بعدما حولها الصراع البيني بين الفصائل إلى إقطاعيات مستقلة ومتناحرة.

تفاعلًا مع التحدي الذي مثله تقدم قوات النظام على أطراف الشمال فقد تم الإعلان عن مبادرة "المقاومة الشعبية" وهي: "حراك شعبي ثوري تطوعي يهدف لإعادة تنظيم كافة الطاقات المادية والبشرية من أهالي القرى والبلدات وأهلنا المهجرين والعشائر الأبية في معركة الوجود مع قوى الاحتلال الداخلية والخارجية، للدفاع عن الدين والأرض والعرض وصولًا لتحرير كافة الأراضي المحتلة وطرد الميلشيات الطائفية والقوى الخارجية.." حسب نص البيان الصادر عن اللجنة العليا لسرايا المقاومة الشعبية. وتعكس هذه المبادرة إحساسًا بالمسؤولية المشتركة ورغبة من الجميع في المساهمة في مهمة الدفاع عن الشمال ولو بأكياس الرمل التي تُستخدم في التحصين أو بتوفير الإطارات المطاطية التي يتم إحراقها ليحجب دخانها الرؤية عن السلاح الجوي.

لطالما شكلت إدلب نقطة استعصاء في الملف السوري؛ سواء على صعيد المداولات السياسية بين الأطراف المعنية بالملف أو على الصعيد العسكري. ولا يبدو أن المجتمع الدولي يهتم إطلاقًا بالمأساة الإنسانية الناجمة عن الاجتياح الأسدي لها إن كان هذا الاجتياح سيضع حدًا لعقدة الحل في المسألة السورية. وإذا كان الرهان سابقًا على السقوط الحر للمدينة من خلال الصراع البيني بين الفصائل وما يتبعه من فوضى واضطراب فإن الواقع برهن على فشل هذا الرهان مع التنسيق المتقدم بين فصائل المدينة ضمن غرفة عمليات واحدة "الفتح المبين"، إضافة إلى الإدارة الموحدة للمرافق الخدمية والإدارية بالمدينة، وبالتالي نجاح الشمال في تجاوز تجارب المناطق الأخرى. ما يعني أن إدلب ستمضي إلى مزيد من "الاستثناء" الذي سيجعل من التعامل معها كمحاول تعطيل مفعول قنبلة معقدة التركيب، خطر تعطيلها يساوي خطر انفجارها المميت في وجه الجميع.

بقلم: 
عبد الغني مزوز
المصدر: 
مدونات الجزيرة


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات