الباغوز.. نصرٌ بطعم الإبادة المنظمة

الباغوز.. نصر بطعم الإبادة المنظمة
  قراءة

ليس هناك من يذرف دمعة على تنظيم الدولة الإسلامية الذي عاث فسادًا في الثورة والحاضنة السنية أكثر مما فعله بأعداء وخصوم الثورة، وحين يأتي الحديث عن تنظيم الدولة وجرائمه في المناطق الشرقية السورية يتضاعف الغضب هناك ضده، ما دام هذا التنظيم قد فعل ما فعل بقبائله وعشائره، وما مجازره بحق عشائر الشعيطات إلا دليل فاضح على ذلك، وقد وثق هذه الجرائم بطريقة مرعبة المسؤول الشرعي للتنظيم أبي محمد الهاشمي، وذلك في كتابه الخطير الذي نشر على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان "كفوا الأياي عن بيعة البغدادي"، لكن بالمقابل -وللأسف الشديد- قوبلت هذه المجازر والمذابح والإبادة التي نفذتها قوات التحالف الدولي، وبواجهتها قوات سوريا الديمقراطية، بالصمت المطبق، والتعمية الإخبارية غير المسبوقة، بحيث جعلت من المنطقة المستهدفة بمدنييها -قبل عصابات البغدادي- مناطق مغلقة تمامًا، وحلالة الدم والإبادة، ساعدهم في ذلك فرح البعض بهذه العمليات، ولم يدر أن من دفع الثمن الباهظ هم أهالي المنطقة من المدنيين، بينما عصابات البغدادي سلّم بعضهم نفسه إلى أعدائه، وانشغل بالمقابل في تفجير وتفخيخ المحرر بالمفخخات.

الباغوز تلك المنطقة التي كانت مجهولة للعالم كله، وربما لكثير من السوريين حتى قبل أشهر معدودة، غدت هدفاً مشروعًا للتحالف الدولي، الذي أغلقها بوجه الإعلام العالمي ومنظمات حقوق الانسان، بينما جرّب فيها كل أسلحته التدميرية الشاملة، إن كان بالفوسفور أو اليورانيوم المنضب، ولا أحد يعلم إلاّ الله ما جرّب فيها، أو ما استخدم هناك على أجساد غضة من أطفال ونساء وشيوخ، في حين صمتت منظمات حقوق الإنسان صمت القبور، ولم تقم حسب علمنا أية واحدة منها بزيارة المنطقة، والتعرف على ما جرى ويجري هناك، فضلًا عن إصدار بيان يندد بجريمة العصر، التي لم نعلم حتى الآن حجمها ومداها، وكل ما عرفناه لليوم هو أن المنطقة لم تعد صالحة للسكن وبالتالي على أهاليها أن يتدبروا أمرهم.

في مقابل هذه الحرب على تنظيم الدولة التي قيل إن الوقت الذي استغرق للقضاء عليها شكل أربعة أضعاف ما صرف في تحرير أوروبا من النازية الألمانية، بينما لو نظرنا إلى منطقة أخرى من مناطق سوريا لندرس تجربتها في قتال الدواعش لرأينا فيها تجربة رائدة وربما قد تكون ملهمة، إنها في الشمال السوري المحرر، وهي مدرسة ربما تصلح للتدريس والتعليم، مقارنة بالحرب المشنونة على داعش من قبل الاحتلال والميليشيات المتعددة الجنسيات في سوريا، ففي الشمال المحرر لم يتم تدمير منزل واحد، فضلًا عن تدمير قرى ومدن وبلدات، كما حصل في الحرب على تنظيم الدولة من قبل قوى الاحتلال والميليشيات الطائفية المتعددة، لقد استطاعت قوى الأمن في الشمال المحرر القبض على أكثر من 500 من عناصر عصابات البغدادي، وبينهم قيادات بارزة كسرت ظهر التنظيم، ليس فقط في المحرر، وإنما حتى في غيره، وقتلت قوى الأمن في الشمال المحرر المئات منهم، وفوق هذا وظفت المعلومات التي حصلت عليها من المقبوض عليهم في عمليات أمنية تمكنت من اختراق التنظيم، وتفكيك كثير من خلاياه، وصل الأمر إلى قتل واعتقال خلية كالخلية التي قتلت النائب العام في حكومة الإنقاذ الأستاذ محمد قباقجي أخيرًا، وذلك في خلال ساعات من تنفيذ الجريمة، وهذا يعني في عالم الأمن قوة الأجهزة الأمنية وهشاشة التنظيم التي وصل إليها في الشمال المحرر.

الدم سيجر الدم، والإبادة ستخلق مائة عدو لمن يقوم بها، وبالتالي لا يمكن حل القضية السورية إلاّ بالعودة إلى مطالب من ضحى بزهرة عمره، ومن ضحى بمئات الآلاف من الشهداء والجرحى وملايين المشردين، وسماع ندائهم الأولي، وهو مطالبهم بإسقاط العصابة الطائفية ومحاكمتها، ودون ذلك سيدفع ثمنه كل من وضع أصبعه بالحريق السوري، ألا يرى هؤلاء مطالبة البرلمان الأوربي اليوم بالاعتذار عن احتلال إفريقيا سابقًا، والتعهد بدفع تعويضات للأهالي هناك، يومًا ما سيرغم من حرق أصابعه في الشام، وأحرق معها الشام وأهلها على فعل أسوأ مما أقدم عليه الاتحاد الأوروبي.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات