ماذا بعد هزيمة تنظيم الدولة؟

ماذا بعد هزيمة تنظيم الدولة؟
  قراءة

تسابق الأمريكيين وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" على إعلان النصر على "داعش"، وهزيمته في المنطقة الشرقية، جاء وسط تغييب وصمت كاملين، لما جرى من إبادة جماعية لمخيم الباغوز، الذي قُصف وضُرب بالفوسفور والمواد الحارقة، فتحولت جثث أطفال ونساء وشيوخ إلى عظام نخرة، ليس هناك من يبكي على رحيل عصابة مجرمة مثل "داعش" أجرمت بحق السوريين والمسلمين أكثر مما أجرمت بحق غيرهم، وجعلت الثورة الشامية تدفع أثمانًا باهظة لمغامراتهم ومقامراتهم وعمالتهم وإجرامهم، فحولت هذه الثورة من ثورة شعبية مدنية حضارية إلى قتلة مجرمين.

مرحلة جديدة ستدخلها سوريا بعد الإعلان عن هزيمة تنظيم الدولة، وإن كان لا يمكن وصفها بالهزيمة الشاملة حتى الآن، فهذا التنظيم الإجرامي لديه ألف لبوس ولبوس، ولديه القدرة على التخفي والظهور من جديد، على شكل خلايا نائمة، والضرب هنا وهناك، ولكن لعل أهم الساحات التي ستشهدها عملياته الإجرامية هي ساحة الشمال المحرر، وربما يكون ما جرى أخيرًا من استهداف الأخ محمد قباقجي، النائب العام في وزارة العدل بحكومة الإنقاذ في إدلب دليلًا على ذلك، وإن كان أمر ملاحقتهم والوصول إليهم لم يستغرق أكثر من 24 ساعة، حين تمت مداهمة وكرهم في بنش القريبة من إدلب، فعمد المجرمون الأربعة إلى تفجير أنفسهم، وراح لغزهم معهم، وهذه السرعة في الملاحقة والمداهمة توحي بقدرة قوى الأمن في المحرر على الملاحقة السريعة لهؤلاء المجرمين، بالإضافة إلى أنهم أصبحوا في ظروف صعبة للغاية، يعجزون فيها عن التخفي أطول من هذا كما كان في السابق.

تسلل عناصر التنظيم الإجرامي لمناطق درع الفرات وغصن الزيتون ومن ثمّ إلى الشمال المحرر، قد يكون التحدي الأكبر أمام الثورة في مقبل الأيام، وبالتالي على الجميع أن تتضافر جهوده من أجل التنسيق الأمني بين هذه الكتل الثورية لمتابعة وملاحقة ومطاردة هذه العصابة التي لن ترعوي في محرر إلاّ ولا ذمة، ولعل تأخر وتراجع الحديث عن حكومة مؤقتة جديدة أشد فاعلية من قبل، كان يتوقع أن تتعاون مع حكومة الإنقاذ في الشمال المحرر كما كان يتردد، سيلحق  أشد الضرر بالمحرر كله، بسبب التركة الثقيلة لتنظيم الدولة الذي سيلقي بمشاكله وانتقاماته اليوم في المنطقة المحررة كلها، والممتدة من درع الفرات وغصن الزيتون إلى الشمال المحرر في إدلب وما حولها.

على صعيد قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، استبقت الجميع وأعلنت استعدادها للحوار مع العصابة الطائفية في دمشق، فردت الأخيرة بتجديد موقفها باستعادة كل المناطق السورية، وهو ما ترفضه "قسد" دون الاعتراف بإدارتها الذاتية، وهذا الموقف من "قسد" إما يوحي بموافقة ضمنية أمريكية على بقاء الطاغية في السلطة بعد صفقة بين عملائها في "قسد" والعصابة، أو أن ذلك لا يعدو أن يكون جسّ نبض الطرفين إزاء المرحلة المقبلة، ومعه جسّ لنبض تركيا المتضرر الأكبر من وجود قوات سوريا الديمقراطية على حدودها، وهي التي تتحدث عن عملية منبج العسكرية، وبالتالي مثل هذا الاتفاق إن حصل بين قوات سوريا الديمقراطية والعصابة الحاكمة في دمشق، قد يطيح بالمشروع التركي، ولعل ذلك يُفهم في سياق التأهيل الأمريكي-الصهيوني للأسد، بإعلان ترامب عن مصادقته على أن الجولان أراضٍ صهيونية، وبذلك تكون عائلة الأسد قد استخدمت الجولان مرتين لبقائها في السلطة، الأولى يوم تخلى عنها المؤسس حافظ ثمنًا لوصوله إلى السلطة، وذلك مثبت في كتاب مهم "سقوط الجولان" للضابط خليل مصطفى ضابط، الاستطلاع في الجولان قبل ويوم سقوطها في عام 1967، بالإضافة إلى وثائقيات عدة أنتجتها وبثّتها "الجزيرة" وغيرها، من رواد وأبطال تلك المرحلة المهمة من تاريخ سوريا، واليوم أيضًا تعود الجولان إلى الواجهة من أجل بقاء عائلة الأسد في السلطة، مقابل التنازل عن الجولان، وأي سلطة تبقت في الشام له.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات