المحبة في مواجهة الاستبداد

المحبة في مواجهة الاستبداد
  قراءة

سألني أحدهم قبل أيام عن سرّ هذا الفشل في مقاومة الاستبداد، وقدرة المستبدين الرهيبة على الصمود بمواجهة ربيع عربي كاسح، قدّم من الضحايا والقرابين الأرقام المذهلة، ولكن مع هذا لا يزال الاستبداد يُمسك ظاهريًّا بتلابيب السلطة، وهو تساؤل مشروع كنت ومنذ بداية الربيع العربي يستحوذ على تفكيري ووقتي، ولا أجد سببًا وسرًا لهذا السر سوى الكراهية والبغض والحسد والتمزق الاجتماعي والتفتت المجتمعي الذي نخر كل بنانا بفعل الاستبداد الذي كان أشد الحرص على تفكيك كل شبكات النسيج المجتمعي، وعلى رأس هذا التفكيك زرع البغضاء والكراهية بين بعضنا البعض، وعشنا في سوريا وفي غيرها مراحل تاريخية لا يثق الأب بابنه ولا الزوج بزوجته، ويخشى الأخ أخاه، وهذا ليس ضربًا من المبالغة وإنما حقيقة واقعة عاشها ويتحدث عنها من ابتلي بعصابات الأسد الأب والابن.

التمزق المجتمعي الذي ابتليب به مجتمعات الاستبداد العربي انعكس بشكل مباشر على العمل المجتمعي، فقلما تجد عائلة أو قبيلة موحدة لها رأس أو رأسان، وإنما لها رؤوس متعددة، وهذه الرؤوس بالغالب تدين بالولاء للاستبداد العربي الذي نجح في تهجينها، أو الضغط عليها، وبالتالي افتقرت المجتمعات العربية عشائرية كانت أو مجتمعات مدنية إلى شخصيات اعتبارية لها كلمتها وتمويلها الذاتي، وبالتالي قادرة على التلفظ بلا للاستبداد العربي، فدفعت الشعوب والمجتمعات أثمانًا باهظة للصمت هذا في ظل تحطيم الرموز وتحطيم الشخصيات الجامعة المانعة، أو العاصمة والقاصمة، وبالتالي افتقرت هذه المجتمعات لمن يجمعها على شخص واحد ورمز موحد، ولذلك حرص الاستبداد أشد ما حرص على ضرب الرموز ونزع ثقة الأهالي من بعضها بعضًا، عبر إشاعة الكراهية ونزع المحبة فيما بينها، فضمن كراهيتهم لبعضهم، وضمن معها عدم اتحادهم أو تضامنهم مع بعضهم ضده وضد سياساته وجرائمه.

لذلك نقرأ في قرآننا وسيرة نبينا عليه الصلاة والسلام الحرص على المحبة للجميع، لأنها أسّ الوحدة والتضامن، الذي سينعكس موقفًا اجتماعيًّا وسياسيًّا يخشاه الطاغية المستبد، فنقرأ حديث نبينا عليه السلام، حين قال لمن معه يطلع عليكم شخص من أهل الجنة ليلحقه بعد انفضاض المجلس عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- ويبيت عنه ليالي، فيبلغه الصحابي الذي عناه النبي -عليه السلام- أن سر ذلك كله يكمن في أنه لا يبيت وفي قلبه غلٌ على مسلم، ولذلك نقرأ في الأحاديث النبوية المتعددة والكثيرة عن حب الجار وحب الأخ لأخيه، فهي ليست محبة شخصية بين شخصين، وإنما محبة مجتمعية تنعكس إيجابًا على بناء المجتمعات وتماسكها.

ولذلك بنظرة سريعة على الثورات التي اجتاحت المجتمعات غير المستبدة نجد سرعة نجاح هذه الثورات فيها، كون الاستبداد أقل تجذرًا وأضعف عودًا، يقابله تماسك مجتمعي إلى حد كبير، من خلال مؤسسات مجتمع مدني، وعجز الدولة عن التغول على مؤسسات المجتمع، بينما نرى في المجتمعات العربية، وقد تجذر الاستبداد والطغيان على مدى عقود ساعده في ذلك ضعف محبتنا لبعضنا، وبعدنا عن العمل الجماعي المشترك، وتحطيم رموزنا المجتمعية، لكن ما هو أخطر من ذلك كله هو أنه بظهور الربيع العربي رأينا القيادات المجتمعية ورموزها خرجت وفرت من البلاد وتركتها للاستبداد، ولمهب الريح، فظهر بأحسن الحالات شخصيات ضعيفة هزيلة، قد تكون مفرقة لا مجمعة، وربما في أحسن الأحوال تسعى ما وسعها الأمر إلى تدارك الخطر، ولكن لضعف مكانتها الاجتماعية وحداثة سنها وقلة تجربتها تقع في المهالك، في حين ظل الاستبداد وقاداته بخبراتهم الطويلة وبسطوتهم المالية وحبل الخارج الممدود إليهم في الميدان، والأنكى من ذلك كله نرى من بني جلدتنا من يتحدث عن الأخطاء التي يقع فيها من يقاوم الاستبداد، وهو يدرك تمامًا أن هذا حصل بسبب نكوصه وهروبه من الميدان، والحل في محبتنا لبعضنا البعض وكرهنا للاستبداد والطغيان، فالأزمة اجتماعية أخلاقية تربوية أُسًا وأساسًا.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات