الطائرات الروسية والتحالفات في سوريا

الطائرات الروسية والتحالفات في سوريا
  قراءة

عمل الطيران الروسي شريكًا في الصراع المسلح إلى جانب النظام السوري، إلا أنه على الرغم من شدة فعالياته في العمليات القتالية، وقدرته العالية على التدمير، وإسقاط عددٍ أكبر من الضحايا البشرية والمادية، إلا أنه فعليًّا لم يستطع أن يغير معادلات الهزيمة والانتصار التي بقيت تتأرجح بين جانبي الصراع المسلح، المحمولَيْن على الدعم الخارجي، سواء لجهة النظام (إيران، روسيا، الميليشيات الطائفية)، أو لجهة المعارضات المسلحة بفصائلها ذات التبعات الأيديولوجية والتمويلات الخارجية، أو فصائل الجيش الحر التي توارت بشكلٍ إجباري تحت ضربات ما تسمى فصائل إسلامية متشددة، طرحت ثمارها المسمومة بحملة اغتيالات واسعة لناشطين سلميين، وقفوا ضد ممارساتهم بكل شجاعة، ومنهم أخيرًا الشهيدان رائد الفارس وحمود جنيد، وكانت عملت على تحجيم دور المعارضة السياسية الوطنية، لتتولى كيانات المعارضات المرتهنة دور الأبواق السياسية لفصائل سلاح الأمر الواقع.

ولكن سقوط طائرتين روسيتين غيَّر وجه الصراع في سوريا، وأعاد توزيع قوى التحالفات، بعد شبه استقرار نحو أربع سنوات متتالية، بين محور إيران الداعم المباشر للنظام، ومعه ميليشيات طائفية، يتقدمها حزب الله وميليشيات "فاطميون" و"زينبيون" وغيرها، مقابل فصائل مسلحة محسوبة على "المعارضة"، مدعومة أمريكيًّا وأوروبيًّا وعربيًّا، وتدير معظمها تركيا عبر الشمال السوري المفتوح على الحدود السورية بما يقرب من 800 كم، ما هيأ لسقوط الطائرة الروسية بنيران القوات التركية، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، أن تكون البوصلة الجديدة ونقطة التحول في مسار الأحداث في الشمال، وتحديدًا في حلب، حيث مركز الصراع على النفوذ بين النظام والمعارضة المسلحة.

كما كان الحال عند الحادثة الثانية بين روسيا وإسرائيل، في 23 سبتمبر/ أيلول 2018، والتي أسّست لتفاهمات دولية جديدة، ووسعت من نفوذ موسكو في الملف السوري، وقلصت من قدرة الطيران الإسرائيلي على استباحة الأجواء السورية، في مقابل استسلام إيران الصامت لمطالب إسرائيل بالانسحاب التدريجي من المناطق الحدودية معها، ولاحقًا لتصريحاتٍ إيرانية مهادنة للمطالب المشتركة الإسرائيلية الأمريكية، على الرغم من سريان عقوبات الأخيرة عليها.

ومع الإقرار بحجم تلك المتغيرات الكبرى، تبدو خريطة الحراك الميداني في سوريا ضبابية مع تحريك القوى المتصارعة على سوريا مواقعها بين فينة وأخرى، على الرغم من الهدوء النسبي الذي أعقب الإعلان عن إنهاء الهدنة الأمريكية الروسية (منطقة خفض التصعيد) في درعا، عبر قصف النظام وخرقه لها، ونجاح موسكو بعقد صفقة تسويةٍ جديدةٍ مع المسلحين المعارضين، تم بموجبها تسليم سلاح الفصائل، وإعادة توزيع الأدوار على المسلحين المعارضين للنظام، بين داعمين للجناح العسكري الروسي ومؤيدين للجيش السوري تحت الوصاية الإيرانية، وأخيرًا فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن الذي بدا كأنه خاتمة لما سميت مرحلة المناطق المحرّرة في جنوب سوريا عمومًا.

وإذا كان لا بد من القول إن تركيا هي مركز الثقل شمالًا، فإنه منذ دخول الصراع إلى مرحلة تشكيل التحالفات الدولية في محورين أساسيين: الروسي، ومقابله على التضاد المحور الأمريكي، بدت تركيا في عين العاصفة أكثر من غيرها من الدول الفاعلة في الملف السوري عسكريًّا وسياسيًّا، بسبب تذبذب الموقف الأمريكي منها تارة، وتقارب مصالحها مع محور روسيا تارة أخرى، وانقسامها على نفسها في توزيع أولوياتها بين الأمنين، القومي والاقتصادي، ما جعلها مرنة في التعاطي مع موسكو، وحذرة مع واشنطن، ومتأهبة ضد معارضيها في الداخل بعد محاولة انقلاب 15 يوليو/ تموز 2016، ومتقلبة في علاقاتها مع أوروبا، وهو ما يجعل قراءة الأحداث اللاحقة تتميز بمنعطفين أساسيين:

أولهما، ما بعد إسقاط الطائرة الروسية في اللاذقية (18 سبتمبر/ أيلول) إثر الغارات الإسرائيلية على مواقع للجيش السوري (بعد يوم من اجتماع ثنائي روسي تركي أبعدت فيه إيران)، ادعت إسرائيل أنها مخزن لأجهزة إيرانية معدّة لنقلها إلى لبنان، تسهم في تطوير مستوى الدقة لدى حزب الله وفيلق القدس، ما تسبّب في إطلاق الدفاعات السورية صواريخها "خطأً"، والتي أسقطت الطائرة الروسية، ما دفع موسكو إلى تحميل إسرائيل مسؤولية الحادثة ومقتل 15 جنديًّا روسيًّا، حفاظًا على شكل علاقتها مع النظام السوري أمام الشعب الروسي، وحتى لا يستعجلها بالانتقام لقتلاه من جهة، ولأن الأولوية لديها لعقد صفقة مع إسرائيل تمنحها مهلة "استراحة محارب" لترتيب أوراقها مع إيران، ومحاصرتها لإخراجها طواعية من سوريا، بما يبعد شبح فك الارتباط معها قسريًّا.

ثانيهما، ما بعد اتفاق (بوتين- أردوغان) في سوتشي في 17 سبتمبر/أيلول 2018، الخاص بالمحافظة على منطقة إدلب ضمن اتفاق خفض التصعيد، وإحداث منطقة منزوعة السلاح، في مقابل فتح الطريقين السريعين اللذين يربطان جهات الشرق بالغرب، والشمال بالجنوب عبر إدلب، وكذلك يربطان حلب بالساحل السوري قبل نهاية العام الحالي، وتسليم تركيا مهمة انتزاع المناطق من تحت سيطرة القوى المتطرّفة التي تتزعمها جبهة النصرة في إدلب.

وعلى ذلك، حسمت معركة حلب الصراع العسكري شمالًا لمصلحة التسويات، عبر مسار أستانا الذي تأسس بعد المصالحة التركية الروسية، على خلفية إسقاط الدفاعات الجوية التركية الطائرة الروسية 2015، وبدأت أولى جولاته بعد سقوط حلب في يد القوات الروسية بعد معركةٍ شبه أحادية، أخذت فيها تركيا دور المتفرّج خلال المعركة، والوسيط لاحقًا لتحقيق تسوياتٍ ميدانيةٍ، ولعب دور فاعل في تغيير مواقع الفصائل السورية (المعارضة المسلحة)، ما مكّن موسكو من التلاعب في الملف السياسي، عبر جولات أستانا التي تصدّرت المشهد برعاية ثلاثية "روسية - تركية - إيرانية"، وجاءت بديلًا لجولات جنيف الأممية التي بقيت تراوح في مكانها، من دون القدرة على إنجاز أيٍّ من أولوياتها التي منحتها لها القرارات الدولية من بيان جنيف1 حتى قرار مجلس الأمن 2254.

وذلك يعني أن أنقرة كانت بيضة القبان التي استثمرتها موسكو، عسكريًّا لإنهاء الفصائل المسلحة، وسياسيًّا لابتداع مسارات تفاوضية تعطيلية لمسار جنيف، وفي الوقت نفسه الذي لم تستطع واشنطن الحفاظ على تركيا حليفًا قويًّا لها شمالًا، إلا أنها، في الوقت نفسه أيضًا، لم تتمكّن من القطيعة معها، أو الابتعاد عنها كليًّا، ما جعل تركيا الثالث المكمل للمعادلتين الروسية مع إيران والأمريكية مع أوروبا، أي أنها لم تحسم خياراتها وموقعها، بسبب أنها تريد دورًا أكبر مما أرادته لها موسكو في الملفين، السياسي والاقتصادي، كما أنها ترغب بعلاقاتٍ أوثق مما هو عليه واقع الحال مع واشنطن، وخصوصًا ما يتعلق بملفيها، الأمني المفتوح على ملف الكرد شمالًا، والاقتصادي الذي تنوء به حكومة أردوغان في ظل الخلافات البينية الأمريكية – التركية، كما لا يمكن لإدارة ترامب تجاهل مصلحتها في استعادة التقارب مع تركيا، لضمان وجودٍ آمن لمصالحها في الشمال السوري.

ومن خلال ذلك، يمكن فهم المتغيرات الميدانية الحالية شمالًا، والتي تسمح لتركيا بإعادة توازن الرعب مع القوات الكردية (الحليفة لأمريكا)، عبر تهديداتٍ بفتح معركة وجودية معها شرق الفرات، في وقتٍ تظهر فيه الدوريات الأمريكية الكردية المشتركة، وتعود أخبار وصول القوات العربية المشتركة (السعودية - الإماراتية) إلى مناطق التماس الكردية التركية للتداول من جديد، تأكيدًا على استمرار التحالف بينهم، ولكن بما لا يتعارض مع سياسة الصمت على التهديدات التركية التي تعني المناطق المسيطر عليها "كرديًّا"، وغير الآهلة عمليًّا بالوجود الأمريكي في شرق تل أبيض وغربها.

بقلم: 
سميرة المسالمة
المصدر: 
العربي الجديد


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات