قمة إسطنبول: بالون اختبار

قمة إسطنبول: بالون اختبار
  قراءة

جاء عقد القمة الرباعية في إسطنبول يوم السبت الماضي (27 أكتوبر/ تشرين الأول 2018)، على خلفية الاستعصاء السياسي الناجم عن وجود تصوّرين سياسيين للحل في سورية؛ وعجز أيٍّ منهما في المرور إلى مرحلة التنفيذ، بسبب الربط بين الملفات، من جهة، ولحسابات استراتيجية وجيوسياسية دقيقة ومركّبة، من جهة ثانية، فالدولتان الرئيستان في الصراع على سورية، الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية، حدّدت كل منهما وجهة نظرها في مواقف معلنة؛ وصاغت تحالفاتٍ إقليميةٍ ودولية، المجموعة المصغرة (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والسعودية ومصر، والأردن) ودول مسار أستانة (روسيا وتركيا وإيران)، لتثقيل موقفها وتعزيز فرصها في دفع الطرف الآخر إلى القبول بعقد صفقةٍ سياسيةٍ بشأن سورية، تشتمل على تفاهماتٍ على ملفات عالقة بينهما؛ مستثمرة ما في يديها من عوامل قوة وأوراق ضغط.

عكست رؤيتا الدولتين للحلّ السياسي في سورية تباينا كبيرا وجوهريا. تدعو الأولى التي تعمل روسيا على تسويقها إلى إعادة النظام إلى كامل الأراضي السورية، وخروج كل القوات الأجنبية باستثناء قواتها، إذ تزعم أنها جاءت إلى سورية بناءً على طلب رسمي من حكومة النظام، كما تدعو إلى إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، والبدء بإعادة الإعمار، ووضع دستورٍ جديد، غير بعيد عن دستور عام 2012 الذي وضعه النظام، عن طريق تشكيل لجنة دستورية تخضع لشروط النظام. أمّا الرؤية الثانية التي تتبنّاها الولايات المتحدة الأميركية، فتدعو إلى تحقيق انتقالٍ سياسيٍّ وفق قرارات الشرعية الدولية، ودستور جديد يمهّد الطريق أمام خروج  بشار الأسد من السلطة لتقليص النفوذ الروسي في سورية، وخروج المليشيات التابعة لإيران من الأراضي السورية، وتربط عودة اللاجئين بتوفير ضماناتٍ صلبةٍ من الأمن والاستقرار وتوفير الخدمات؛ والمساهمة في إعادة الإعمار بحلٍّ سياسيٍّ يستجيب لتطلعات الشعب السوري.

تجلى الضغط المتبادل بين الدولتين في مواقف ومطالب ميدانية وسياسية مباشرة، حيث ركّزت روسيا على عدم شرعية الوجود الأميركي على الأرض السورية، خصوصا في منطقة التنف، واتهمتها بالعمل على إقامة دويلةٍ شرق الفرات؛ وبحماية الإرهابيين في منطقة التنف، أصرّت على ضرورة رحيل القوات الأميركية من هذه المنطقة، وبنقل القوات الأميركية في سورية مسلحي "داعش" من الأراضي السورية إلى العراق وأفغانستان، "داعش" الذي "يسعى إلى الانتشار في شمال أفغانستان بالقرب من حلفائنا وشركائنا الاستراتيجيين في آسيا الوسطى"، وفق قول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، واتهامها بالوقوف خلف هجوم الطائرات المسيّرة على قاعدة حميميم مطلع العام الحالي، وفق إعلان نائب وزير الدفاع الروسي، الفريق أول ألكسندر فومين، واعتبرت ربط الولايات المتحدة عودة اللاجئين، وإعادة الإعمار بالحل السياسي، موقفا تخريبيا هدفه "عرقلة عمل الدول الضامنة وجهود مفاوضات أستانة وسوتشي"، حسب قول نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف. كما عرقلت تشكيل اللجنة الدستورية، حيث لم تكتف برفض قائمة المجتمع المدني التي تقدم بها المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، بل طالبت بإعطاء النظام السوري أغلبيةً في اللجنة بالإضافة إلى رئاستها، ودعت إلى التريث في تشكيلها، "موسكو ليست متعجلة.. موقفنا يتمثل في ضرورة وضع آلية فعالة، لا نريد ولادة كيان ميت، لذلك لا مبرّر للدعوة إلى وضع مواعيد محدّدة"، وفق المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية، ألكسندر لافرينتييف. وذلك ردا على موقف أميركي طالب المبعوث الأممي بتسريع عملية تشكيل اللجنة، وتقديم صورة عما أنجزه بهذا الشأن يوم 31 الجاري.

عكس السجال بشأن اللجنة الدستورية، تركيبتها ودورها، خلافا جوهريا بصدد الدستور المستهدف، فروسيا تصرّ على أن يكون للنظام حصة في اللجنة الدستورية كافٍ لتمرير دستور يعيد تأهيل النظام، ويسمح لرئيسه بالترشّح مرة أخرى في أي انتخاباتٍ مقبلة، ويرسّخ الوجود الروسي شرقي المتوسط. فيما تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى دستور جديد، يكون بوابة حل ينهي نظام بشار الأسد، ويحجّم الوجود الروسي المتعاظم في سورية.
تنوعت الردود الأميركية وتصلبت، حيث ربطت بقاءها على الأرض السورية بتحقيق هدفين: إحراز تقدم في المسار السياسي، واحتواء الوجود الإيراني. وردّت على الدعوة إلى انسحابها من منطقة التنف بإجراء مناورةٍ ضخمةٍ بالذخيرة الحية، مع تأكيد جنرالاتها على الرد على أي هجوم على قواتها أو قوات حلفائها في المنطقة، وتحرّكت في الأمم المتحدة من أجل تكريس موقفٍ أمميٍّ يربط بين إعادة الإعمار والحل السياسي، حيث وجهت، مع بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبولندا والسويد وبريطانيا، رسالةً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تحظى بدعم دول الاتحاد الأوروبي، بموجب إستراتيجيته المعلنة في أبريل/ نيسان الماضي، تعقيبا على تحرّكات وزير الخارجية الروسي بهذا الخصوص، أعربوا فيها عن قلقهم من الضغوط المتزايدة للدفع في مسار بدء جهود التنمية وإعادة الإعمار في سورية، بصرف النظر تماماً عن موقف العملية السياسية الراهنة، قالوا فيها: "طالما أن سورية لم تتّخذ بعد أولى خطواتها على مسار الاستقرار المستدام، فإن جهود تمويل التنمية والبرامج وإعادة الإعمار لن تكون ذات معنى مجدٍ، بل وربما قد تسفر عن نتائج عكسية مزرية، تتشكل في صورة قميئة من انتشار وتفشّي الفساد وترسيخ هياكل الحكم المعيبة بشكل عميق، فضلاً عن تعزيز أركان اقتصاد الحرب". وختموا "بضرورة صوغ دستور جديد، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ومنصفة ومستقلة وخاضعة لإشراف الأمم المتحدة وهيئاتها ضمن بيئة آمنة ومحايدة". ويُلحظ عكوف الإدارة الأميركية على وضع إستراتيجيةٍ جديدةٍ للعمل في سورية، تتضمن فرض عقوباتٍ على الشركات الروسية والإيرانية المشاركة في إعادة الإعمار، وفق ما نقلته قناة أن بي سي الأميركية عن مصادر في الإدارة. وحذّر الممثل الأميركي الخاص بسورية، جيمس جيفري، النظام السوري، إذا لم يتعاون مع إعادة كتابة الدستور من أنه "سيصبح شغلهم الشاغل، جعل حياته أسوأ ما يمكن لهذا النظام المتداعي، وسنجعل الروس والإيرانيين الذين أحدثوا هذه الفوضى يهربون منها". وقال نائب رئيس لجنة العلاقات الدولية في المجلس الفيدرالي الروسي فلاديمير غاباروف: "في حال حصل وفُرضت إجراءات (عقوبات أميركية)، سترد روسيا بشكلٍ مماثل". هذا بالإضافة إلى إعلانها نيّتها الانسحاب من الاتفاق بشأن الأسلحة النووية المتوسطة الذي اتفق عليه مع الاتحاد السوفياتي عام 1987، ودفعها إلى استقلال الكنيسة الأوكرانية عن الكنيسة الروسية، وتسليح أوكرانيا؛ وإجراء مناوراتٍ ضخمة على أراضيها، وتفعيل القانون الفيدرالي المسمّى "مواجهة أعداء أميركا من خلال قانون العقوبات"، بفرض عقوباتٍ على كل دولةٍ تشتري أسلحة من روسيا.

على هذه الخلفية المتباينة والخطيرة، عقدت القمة الرباعية، قمّة جمعت فرنسا وألمانيا من المجموعة المصغرة التي تتبنّى الرؤية الأميركية، وروسيا وتركيا، من تجمع أستانة التي تتبنى الرؤية الروسية. مع ملاحظة أن تركيا تُخالف روسيا في بعض النقاط، مثل مصير رأس النظام، من جهة، وتريد التقرّب من الغرب، من واشنطن خصوصا، لتقوية موقفها بمواجهة روسيا في إدلب، من جهة ثانية، عقدت من دون توقع تحقيق نتائج إيجابية واضحة ومحدّدة، في ضوء التباين الكبير في المواقف والتمسّك بها، فروسيا تدعو الدول الغربية إلى الانخراط في عملية إعادة الإعمار، في وقتٍ تريد أن تحتفظ لنفسها مع حلفائها المحليين والإقليميين بالسيطرة الكاملة على مسار المفاوضات، وعلى مستقبل سورية ذاتها. وتريد جذب المعارضة السورية إلى موقفها، وإقناعها بالاصطفاف وراء خططها للحل السياسي، في الوقت الذي لا تخفي فيه لحظةً تمسّكها بحكم الأسد، وتأكيدها شرعيته، أي نفيها شرعية الانتفاضة الشعبية ذاتها، وفق محللين. الولايات المتحدة، والدول الغربية الأخرى معها، تسعى إلى الوقوف في وجه محاولات روسيا فرض تصورها ورؤيتها للحل في سورية وترسيخ وجودها وتكريس مصالحها شرقي المتوسط، ما يمنحها أوراق قوةٍ في ملفات إقليمية ودولية عديدة أخرى. وهذه (المحاولات) ما أراد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الاعتراض عليها بحديثه عن "الحرب بين النظام والمعارضة"؛ محاولا إعادة الاعتبار لجذر الصراع.

لم تحقق قمة إسطنبول الرباعية (تركيا، روسيا، فرنسا، ألمانيا) اختراقا سياسيا؛ ولم تنجح في جسر الهوّة بين مواقف أطرافها، لذا جاءت صياغة البيان الختامي عامة، وطلباته مفتوحة بحيث ترضي الجميع، تعبيرا عن بقاء الخلافات والتباينات في المواقف والتصورات بشأن الحل النهائي قائمةً وراسخة.

بقلم: 
علي العبدالله
المصدر: 
العربي الجديد


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات