المفاوضات "التركية - الروسية" حول إدلب إلى أين؟

المفاوضات التركية - الروسية حول إدلب إلى أين؟
  قراءة

قبل التعليق على مسار المفاوضات الأخيرة بين "تركيا - وروسيا" حول مصير إدلب سؤال يطرح نفسه: ما الذي أوصلنا إلى مرحلة أن يتفاوض غيرنا على مصيرنا؟!
للإجابة على هذا السؤال ننقل كلامًا لصموئيل هانتنجتون؛ يقول في كتابه "صدام الحضارات" :"بينما يوسع التجمع -الأقرباء درجة ثانية وثالثة حول أقربائهم ثقافيًّا- من الحرب ويطيل أمدها، إلا أنه كذلك شرط ضروري وإن كان غير كافٍ لتحديد الحرب وإيقافها. المتجمعون من الدرجة الثانية والثالثة عادة لا يريدون أن يتحولوا إلى مقاتلين من المستوى الأول، ومن هنا يحاولون إبقاء الحرب تحت السيطرة". بحسب "هانتنجتون" فإن الحروب التي لا تشارك فيها أطراف خارجية تكون محدودة ولكن تصعب السيطرة عليها؛ وللسيطرة على هذا النوع من النزاعات يجب إشراك مايسميهم "الأقرباء الثقافيين" -أي الامتداد الديني أو المذهبي أو العرقي لكل طرف- يجب اشراكهم في النزاع.

دخول هذه الأطراف الخارجية (عن طريق الدعم وغيره) يوسع من الحرب ويطيل أمدها إلا أنه وسيلة للتحكم بالمتحاربين وإبقائهم تحت السيطرة من وجهة نظر "هانتنجتون". ولقد رأينا في الثورة السورية مدى أهمية دور "الأقرباء الثقافيين" وقدرتهم على التحكم بالفصائل، حتى أنه في بعض الحالات وصلت قدرتهم إلى تغيير جهة فوهة السلاح!!

المفاوضات التركية - الروسية:

تاريخ المفاوضات "التركية - الروسية" فيما يتعلق بالثورة السورية سلبيّ جدًا وجاء بنتائج كارثية على الثورة. فمن تعطيل لجبهات تحت مسميات (هدن ومناطق خفض تصعيد)؛ ليستفرد الاحتلال الروسي وأتباعه بالمناطق واحدة تلوى الأخرى، إلى صفقات خاسرة ( درع الفرات مقابل مدينة حلب - غصن الزيتون مقابل شرق السكة) أفقدت الثوار مناطق واسعة.

المفاوضات الأخيرة بين تركيا - وروسيا

زار مؤخرًا وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، ورئيس الاستخبارات هاكان فيدان، ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو موسكو، وأجروا مع المسؤولين هناك مفاوضات استمرت ليومين؛ كان مصير إدلب حاضرًا على طاولة تلك المفاوضات. كانت التوقعات قبل المفاوضات تشير إلى احتمال مقايضة مناطق جبال التركمان والأكراد ومدينة جسر الشغور في ريف إدلب وسهل الغاب في ريف حماة مقابل مدينة تل رفعت في ريف حلب الشمالي؛ والتي يسيطر عليها المحتل الروسي وتتواجد فيها قوات من الفصائل الكردية الانفصالية، وبعض التسريبات كانت تتحدث أن المقابل هي مدينة حلب كاملة!

لكن مسار الأمور بعد ذلك يوحي بأن الطرفين لم يتوصّلا إلى اتفاق. فتصريحات وزير الخارجية التركي: "إن الحل العسكري في إدلب السورية سيؤدي إلى كارثة إنسانية فيها".وما أعقب ذلك من بيان للجبهة الوطنية للتحرير -والتي علاقتها مع تركيا معلومة-؛ حيث أصدرت الجبهة في الرابع والعشرين من أغسطس/آب -اليوم الثاني من المفاوضات- بيانًا أعلنت فيه عن "جاهزيتها للمعركة وأنها أتمت الإعداد ورسمت الخطط الدفاعية والهجومية لمواجهة أي حماقة يرتكبها النظام وأعوانه". ثم في اليوم التالي -الخامس والعشرين- نقلت وكالة أنباء "سبوتنيك" الروسية عن المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشنكوف، قوله:"إن مسلحين في محافظة إدلب يستعدون لاستعمال أسلحة كيماوية ضد المدنيين وإلصاق ذلك بالحكومة السورية".

يوحي كذلك بأن الروس لم يتوصلوا إلى اتفاق مع الأتراك، وأن كلامهم عن استعمال الكيماوي إما هو من باب الحرب النفسية، أو أنهم ينوون استعمال هذا النوع من السلاح؛ يقوي القول الأخير إعلان كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قبل أيام أنهم سيضربون بشار الأسد إذا ما استعمل الكيماوي. ثم في يوم السادس والعشرين من أغسطس/آب، أصدر المجلس الإسلامي السوري -والذي هو الآخر معلومة علاقته بتركيا- بيانًا يوصي فيه أهل المناطق المحرّرة بـ:"وحدة الصف والثبات أمام تآمر المتآمرين وإرجاف المرجفين". كل هذه القرائن تشير إلى عدم الوصول إلى اتفاق بين الأتراك والروس.

كذلك الإعلام الروسي أشار إلى اختلاف وجهات النظر بين تركيا وروسيا حول إدلب؛ ففي تعليقها على مقالٍ لأنجيليكا باسيسيني، في صحيفة "آر بي كا" كان عنوانها "أنقرة وقفت دفاعًا عن إدلب" جعلت قناة "روسيا اليوم" هي الأخرى عنوانها "تركيا تهب للدفاع عن إدلب". كما أن التحركات الميدانية على الأرض توحي بتبني أنقرة لخيار المقاومة ودعم الفصائل للدفاع عن إدلب.
 
أما التسريبات فتقول بأن روسيا طلبت 75 كم مسافة أمان لقاعدة حميميم العسكرية، وقيل إنهم -الروس- يريدون الأتوسترادين: أوتستراد: حلب - دمشق، وأوتستراد: حلب - اللاذقية.

فشل المحادثات

من الواضح أن سقف الروس في المفاوضات كان عاليًا وبدون مقابل،  وأنهم غالبًا لن يسمحوا لتركيا بالسيطرة على منطقة تل رفعت-الجيب الذي يتواجد فيها الانفصاليون الأكراد في ريف حلب الشمالي! بل إن بعض وسائل الإعلام نقلت أن الانفصاليين في تل رفعت بدأوا في الأيام الماضية بتجهيز التحصينات وأنهم قد وصلتهم مؤازرات من المناطق الكردية الأخرى. كما أن الزيارة المفاجئة يوم أمس، لوزير خارجية إيران جواد ظريف، لأنقرة للقاء الرئيس التركي "أردوغان" توحي بأن جزءًا من عدم الاتفاق "التركي-الروسي" يتعلق بالانفصاليين الأكراد؛ فكلا البلدين تركيا وإيران تتعرضان لهجمات من الأحزاب الانفصالية الكردية، وكلاهما معرضان لأن ينفصل الأكراد بقسم من أرضه. 

في الخاتمة، نقول أن الروس كانوا قد اعتمدوا في إسقاط المناطق فيما مضى على الدول المؤثرة على الفصائل  "الأقرباء الثقافيين"  لا على الحسم العسكري. ولا قدرة لهم على الحسم العسكري السريع، كما أنهم ليست لديهم القدرة على تحمل أعباء معارك حقيقية طويلة الأمد. ومما يزيد أمر الحسم العسكري صعوبة أن إدلب قد امتلأت بالمقاتلين الرافضين لأي شكل من أشكال الالتقاء مع المحتل الروسي والنظام المجرم وأعوانه، وأنه لا ملجأ آخر لهذه الجموع لتلجأ إليه. وإنما الوسيلة الوحيدة التي بيدها هي الدفاع .. والدفاع فقط، وكذلك التضاريس في إدلب هي أيضًا عامل قوة للثوار. كما أن التصريحات الغربية الأخيرة سواءً ما يتعلق بالرد على استعمال الكيماوي أو عدم المساهمة في إعادة الإعمار مع بقاء بشار الأسد تزيد الموقف الروسي حرجًا.

يبقى الإشكال الأخير الذي يمكن أن يطرأ هو إذا ما توصّلت تركيا لاتفاق مع روسيا -ربما تكون الواسطة فيه إيران- يكون ثمنه مناطق واسعة من المحرّر فهل ستخضع الفصائل للتفاهم وتثبت صلاحية وجهة نظر "هانتنجتون" أم أنها ستكسر هذه النظرية وتستمر بالقتال والدفاع عن الأرض وتلتزم "عدم الالتفات إلى تآمر المتآمرين وإرجاف المرجفين" كما يقول المجلس الإسلامي السوري

بقلم: 
حسين أبو عمر
المصدر: 
الدرر الشامية










تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات