الوجود الإيراني في سوريا: اتفاقات ومسارات (دراسة)

الوجود الإيراني في سوريا: اتفاقات ومسارات (دراسة)
  قراءة

منذ بدايات عام 2012، مثّلت الأزمة السورية فرصة للجانب الإيراني لنشر وتعميق نفوذه في الساحة السورية، مدفوعًا بأهمية سوريا الاستراتيجية؛ لدورها في ضمان تواصل ممره البري من طهران لبيروت، والوصول للمياه الدافئة على شواطئ البحر المتوسط.

وبينما كانت موازين القوى مائلة لصالح قوى المعارضة السورية المسلحة، وكاد معها "نظام الأسد" أن يسقط، وتخسر معه الميليشيات المدعومة إيرانيًّا، تدخلت روسيا عسكريًّا في الأزمة بشكل مباشر، في 30 سبتمبر/أيلول 2015، وهو ما انعكس بدوره على موازين القوى، حيث استدارت لصالح "نظام الأسد" والميليشيات الحليفة له.

متغير آخر مكّن إيران من تعميق نفوذها، وهو التغاضي الأمريكي - الإسرائيلي منذ بداية الأزمة عن التدخل الإيراني وانتشار ميليشياتها في الساحة السورية؛ فقد ارتأوا في ذلك فرصة لاستنزافها، ومن ثم تعاملت الولايات المتحدة وإسرائيل مع الساحة السورية كمستنقع لمن يتورط فيها أكثر منها ساحة للنفوذ الجيوسياسي.

وبمرور الوقت، ظهرت الأزمة السورية ليس كمستنقع يستنزف من يتورط فيها، وإنما ساحة للنفوذ تتمدد فيها إيران يومًا بعد يوم، خاصة بعد سيطرتها على بعض المعابر على الحدود العراقية السورية، فضلًا عن امتداد نفوذها للجنوب السوري، حيث الحدود مع إسرائيل. تزامن ذلك مع وصول دونالد ترامب، لمنصب رئاسة الولايات المتحدة، والتي أعلن معها عن إستراتيجية تصعيدية تجاه إيران ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط. فكانت النتيجة تصعيد عسكري إسرائيلي أمريكي ضد إيران في سوريا، من خلال ضربات جوية انتقائية من حين لآخر، بتغاضي روسي، وهي الحليف القوي لإيران والمسيطرة على الأجواء السورية.

وفي الآونة الأخيرة، أشارت بعض التقديرات والتقارير إلى أن هناك اتفاقات أو صفقات تمت أو يتم الإعداد لها بين أمريكا وإسرائيل من ناحية وروسيا و"نظام الأسد" من ناحية أخرى، تتعلق بمصير النفوذ الإيراني في الساحة السورية.

وهذا ما ستسعى الورقة لبحثه، من خلال الإجابة على ثلاث أسئلة: ما هو مضمون هذه الاتفاقات ومدى واقعيتها؟، هل إشكالية التواجد الإيراني تتعلق فقط بالجنوب السوري؟ ما هي مسارات مستقبل التواجد الإيراني في سوريا؟

أولًا: مضامين الاتفاقات

تعمق النفوذ الإيراني في سوريا من خلال إرسال مئات المستشارين العسكريين من الحرس الثوري؛ للمشاركة في تقديم الاستشارات ووضع الخطط، إلى جانب الإشراف على عشرات المجموعات الشيعية المسلحة قيادةً وتدريبًا وتسليحًا. كما تتحدث بعض التقديرات عن وجود نحو 2000 مستشار وأكثر من 9 آلاف مقاتل في مجموعتي "فاطميون" المشكلة من شيعة أفغانستان، و"زينبيون" المشكّلة من شيعة باكستان، إلى جانب 7 آلاف مقاتل من "حزب الله" اللبناني، وأعداد غير معروفة من مجموعات شيعية عراقية تنتمي إلى "الحشد الشعبي"، منها "النجباء" و"حزب الله العراقي" و"لواء أبو الفضل العباس" و"عصائب أهل الحق".

وشهدت الساحة الإقليمية والدولية عدة لقاءات، كان الحديث والاتفاق حول مصير التواجد الإيراني في سوريا على رأس جدول أعمالها. ومن أهمها، اللقاء الذي جمع الرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنيناهو، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، في 11 يوليو/تموز الماضي، وهي تعد الزيارة الثانية له لموسكو خلال شهرين والتاسعة خلال عامين. الثاني، قمة هلسنكي التي جمعت دونالد ترامب، مع فلاديمير بوتين، في العاصمة الفنلندية "هلسنكي" في 16 يوليو/تموز الماضي، ويعد أول لقاء قمة رسمي بين الطرفين.

واستنادًا لهذه اللقاءات وغيرها من التطورات الإقليمية، تعددت الروايات حول صيغة التوافقات التي تمت أو التي يتم الإعداد لها بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وروسيا والنظام السوري من ناحية أخرى، حول مصير التواجد الإيراني في سوريا، ويمكن الإشارة لها من خلال أربعة روايات:

الرواية الأولى، تشير لتخلي القوى الإقليمية والدولية عن دعم المعارضة السورية المسلحة في الجنوب، وأن تسمح إسرائيل لقوات النظام بالانتشار في الجولان ودرعا والقنيطرة حتى الحدود الأردنية، وتفكيك قاعدة التنف العسكرية الأمريكية على الحدود السورية العراقية الأردنية، مقابل قيام روسيا بإجبار إيران على سحب ميلشياتها لمسافة 25 كيلو مترًا عن الحدود الإسرائيلية. وتقارير أخرى أشارت لانسحاب هذه الميليشيات لمسافة 80 كم. وتعد هذه الصيغة من ناحية الحد الأدنى لما تسعى إليه إسرائيل فيما يخص الوجود الإيراني، ومن ناحية أخرى أكثرها واقعية.

الرواية الثانية، تتحدث عن قبول واعتراف رسمي إسرائيلي ببقاء حكم "الأسد"، في مقابل خروج إيران وميليشياتها من سوريا بشكل كامل، وهو ما جاء على لسان "نتنياهو" في زيارته الأخيرة لموسكو، حيث صرح بأن إسرائيل لا تنوي تهديد حكم بشار الأسد، وطلب من موسكو إخراج القوات الإيرانية من سوريا.

المفارقة في هذه الصفقة أنها ليست مقايضة بالمعنى الدقيق؛ فسواء الاعتراف الرسمي بالأسد أو الخروج الإيراني من سوريا يمثلان رغبة إسرائيلية. ولكن في هذا الصدد، يمكن أن يكون الثمن المقبول سوريًّا من إسرائيل ليس مجرد القبول بالأسد؛ لأن بقاء الأخير في الحكم مصلحة إسرائيلية، كما أن موازين القوى لم تعد تسمح بأن يكون هناك ثمة بديل للأسد في المدى المنظور. قد يكون الثمن المقبول هو تطبيع العلاقات السورية مع الولايات المتحدة وحلفائها، أي العودة لوضع ما قبل 2011.

الرواية الثالثة، تلمح لربط "ترامب" مسألة الخروج الأمريكي من سوريا بقيام "بوتين" بالضغط من أجل الانسحاب الإيراني من سوريا بشكل كامل. ومن ثم فإن "ترامب" يغري "بوتين" بهذه الصفقة، حيث سيترك سوريا كساحة للنفوذ الروسي المطلق، خاصةً بعد الخروج الأمريكي والإيراني منها، وتبقى تركيا التي من السهل على روسيا التعامل معها. ويبدو أن الولايات المتحدة مستعدة لأن تنسحب من سوريا إذا ما كانت هناك ضمانة لخروج إيراني أيضًا بشكل كامل، وما يرجح ذلك عدة مؤشرات:

الأول، أن سوريا لا تُعد ساحة نفوذ تقليدية للولايات المتحدة، وإنما تاريخيًّا كانت ولازالت ساحة للنفوذ الروسي ومن قبله السوفيتي. أو كما قال أحد الدبلوماسيين الأمريكيين "نحن لم نمتلك سوريا أبدًا كي نخسرها ونسلمها للروس كما يدعي البعض".

الثاني، ما صرح به مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، منذ عدة أيام، أن القوات الأمريكية باقية في سوريا حتى زوال الخطر الإيراني. أي أنه ربط التواجد الأمريكي في سوريا بالإيراني، خاصةً بعد زوال خطر"تنظيم الدولة" نسبيًّا؛ حيث لم يعد موجودًا إلا في جيوب متفرقة في البادية السورية. الثالث، إعلان "ترامب" أكثر من مرة رغبته في الخروج من سوريا، وسحب قواته المقدرة بـ2000 جندي، ومطالبته سواء بإرسال قوات عربية تحل محل الأمريكية أو بقيام السعودية بدفع تكلفة بقاء القوات الأمريكية في سوريا. هذا فضلًا عن التوجه الانعزالي لدى "ترامب"، وعدم رغبته في تكرار أخطاء الماضي في العراق وأفغانستان، وإن كانت الظروف مختلفة سواء من حيث طبيعة الصراع وأطرافه، وحجم القوات الأمريكية المنخرطة ودورها في الصراع.

الرواية الرابعة: تتعلق بأبعاد دولية تتجاوز إقليم الشرق الأوسط، حيث تتضمن اعتراف أمريكي بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، ورفع العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، في مقابل إخراج روسيا للميلشيات الإيرانية من الساحة السورية بشكل كامل. وتبدو المقايضة هنا غير متكافئة لصالح الجانب الروسي، ولذلك فإن المؤسسات الأمريكية وعلى رأسها البنتاغون لن تسمح لدونالد ترامب بهذه المقاربة، من أجل حل أزمتي سوريا وأوكرانيا. خاصةً مع تزايد التوتر في العلاقات البينية؛ على وقع مزاعم تدخل روسيا في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة. هذا فضلًا عن كون أزمة ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ذات أبعاد جيواستراتيجية كبيرة لأوروبا وأمريكا معًا، ولا يمكن التنازل فيها بهكذا ثمن.

فبمجرد أن صرح "ترامب" عقب قمة هلسنكي، بأنه لا يرى أي سبب يدفع إلى القول بأن روسيا قد تدخلت في الانتخابات الأمريكية لصالحه، وأنه لا يرى ما يدعوه لتصديق أجهزة المخابرات الأمريكية، تلقي "ترامب" على إثر ذلك هجومًا من الديمقراطيين بل وحتى من قِبَل معسكره الجمهوري؛ لأنهم يعتبرون أنه اتخذ موقفًا ممالئًا لروسيا، وهو ما دفعه للتراجع عن تصريحه وإعلان ثقته في جهاز المخابرات وتأكيده على تدخل الروس في الانتخابات. وبالتالي، إذا كان رد الفعل الداخل الأمريكي على مجرد تصريحات بهكذا شكل، فكيف سيكون رد الفعل إذا قدم "ترامب" تنازلات قوية في ملفات حساسة كالقرم ورفع العقوبات مقابل ثمن غير متكافئ.

ثانيًّا: بين الجنوب والشرق السوري

بينما ترغب الولايات المتحدة ومعها إسرائيل في الخروج الكامل لإيران من سوريا، فإن هناك بعض المناطق التي تمثل أولوية بالنسبة للولايات المتحدة في هذا الصدد وهي: مناطق الجنوب والشرق السوري، وهي المناطق التي تمثل أهمية حيوية في الإستراتيجية الإيرانية تجاه سوريا. فقد اعتادت إيران على سياسة التموضع بالقرب من الحدود في الدول التي تمتلك نفوذًا فيها، لأن هذه المناطق عادة ما تكون ذات مدلولات إستراتيجية، تستخدمها إيران كأداة في صراعاتها الإقليمية.

وتحتل مناطق الجنوب السوري "درعا والقنيطرة والسويداء" المرتبة الأولى في سلم الأولويات الأمريكية الإسرائيلية، كمناطق يجب أن تكون خالية من تواجد الميليشيات المدعومة إيرانيًّا، لتماس هذه المناطق مع الحدود الإسرائيلية. فاللواء "313" المدعوم إيرانيًّا متواجد في مدينة درعا، والتي تبعد ١٢ كم فقط عن الحدود الإسرائيلية، وهي ميليشيات محلية أنشأتها إيران؛ للتحايل على الاتفاقيات الساعية لإبعادها عن الحدود. كما يتواجد لواء "تحرير الجولان"، وهي ميليشيا عراقية شكّلت في مارس/ آذار2017، مدعومة إيرانيًّا ومتواجدة في الجولان.

أما شرق الفرات حيث الحدود المشتركة مع العراق، فإنها في المنظور الإيراني ذات أبعاد جيوإستراتيجية هامة، لذلك فهي حريصة من خلال ميليشياتها على التواجد فيها أيضًا. حيث تهدف إيران للسيطرة على المعابر الحدودية بين العراق وسوريا في الشرق السوري؛ بغرض ضمان تواصل ممرها البري من طهران لبيروت. وفي هذا الصدد، يوجد في الشمال الشرقي السوري منفذان حدوديان رسميان بين سوريا والعراق: الأول البوكمال مقابل مدينة القائم العراقية، ويسيطر عليه من جهة سوريا قوات النظام والميليشيات المدعومة إيرانيًّا، الثاني اليعربية في مدينة الحسكة مقابل منفذ ربيعة العراقي في نينوى، ويسيطر عليه من جهة سوريا قوات "سوريا الديمقراطية" المدعومة أمريكيًّا، كما استطاعت الميليشيات الإيرانية إنشاء معبر حدودي جديد غير رسمي في مدينة البعاج. وبالتالي فهناك ممران بريّان تسيطر عليهما الميليشيات الحليفة لإيران من الناحيتين السورية والعراقية، أحدهما رسمي والآخر غير رسمي.

ومن ثمّ، وبينما تمثل مناطق الجنوب السوري والشرق السوري أهمية محورية في الإستراتيجية الإيرانية تجاه سوريا، وبالتالي في الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية الساعية لاحتواء إيران ونفوذها في سوريا. فإن إشكالية كل منطقة تختلف عن الأخرى، فبينما تمثل إشكالية الجنوب السوري مجرد اقتراب الميليشيات الإيرانية منها حيث الحدود الإسرائيلية، فإن إشكالية الشرق السوري ليست فقط مجرد الاقتراب من الحدود الشرقية، بل السيطرة أيضًا على المعابر الحدودية بين العراق وسوريا. وفي حين تسعى إيران من خلال تمركزها في الجنوب السوري لمناكفة الخصم الإسرائيلي على حدوده الشمالية، فإنها تسعى من خلال سيطرتها على المعابر الشرقية لضمان تواصل ممرها البري من طهران لبيروت. جدير بالذكر، أن في الجنوب يوجد معبر "التنف"، وهو المعبر الوحيد على الحدود العراقية السورية في تلك المنطقة، وتسيطر عليه الولايات المتحدة من الجانب السوري. ولا يبدو أن هناك ثمّة انسحاب أمريكي من التنف، إلا في إطار اتفاق شامل يشمل الوجود الأمريكي والإيراني برمته في سوريا.

وبينما تركز الولايات المتحدة ومعها إسرائيل في الفترة الحالية من خلال تواصلها واتفاقاتها مع الجانب الروسي، لحل إشكالية الجنوب السوري. فإن الساحة السورية من المرجح أن تشهد توجه أمريكي في الفترة المقبلة، خاصةً بعد أن تنتهي من مشكلة الجنوب، نحو الشرق السوري. وستتركز الجهود ليس على فكرة إبعاد الميليشيات الإيرانية عن الحدود الشرقية، بقدر ما هو الحيلولة دون سيطرتها على المعابر الحدودية الرسمية وغير الرسمية بضمانة روسية. فقد أعلن "ترامب"، في 25 أبريل/نسيان الماضي، أن الولايات المتحدة ستمنع أي ممر بري يربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط، وقال قائد القوات الأمريكية بالشرق الأوسط، الجنرال جوزيف فوتيل، للصحافة في 26 أبريل/نسيان الماضي، إن دعم قوات "سوريا الديمقراطية" سيساعد في ضمان منع إيران من الحصول على الممر البري المذكور.

وبالرغم أن إيران إذا ما فقدت الممر البري الذي تسعى لتأمينه، واستطاعت الولايات المتحدة قطع أوصاله، فإنها ستستعيض عنه بالممر الجوي. حيث تتخذ إيران من المطارات في الغرب السوري وبالأخص دمشق، بفضل تدخلها في الأزمة السورية، نقطة انطلاق من دمشق لطهران والعكس صحيح، لتتجاوز بها المعوقات التي تواجها على الأرض. ولكن الممر الجوي كنظيره البري يواجه معوقات أيضًا:

أولًا تكلفة الممر الجوي تفوق بكثير الممر البري، خاصةً مع الأزمات الاقتصادية التي تمر بها إيران، متزامنةً مع احتجاجات داخلية ذات طابع اقتصادي اجتماعي.

ثانيًّا قد تكون الطائرات الإيرانية عرضة للاستهداف من قِبَل الولايات المتحدة، من خلال تمركزها بقواعدها العسكرية في الشرق والشمال الشرق السوري؛ حيث تهيمن الولايات المتحدة على المجال الجوي في تلك المنطقة. ولكن من الممكن أن تلعب روسيا دورًا في حماية الممر الجوي الإيراني من الاستهداف الأمريكي، خاصة وأن للأولى السيطرة العليا على الأجواء السورية، بما يجعل الممر الجوي الإيراني ممكنًا في حال فشلت في إنشاء ممر بري متواصل.

ثالثًا: مسارات الوجود الإيراني في سوريا

يمكن تناول مسارات مستقبل الوجود الإيراني في سوريا من خلال ثلاثة مسارات أساسية:

المسار الأول، بقاء الوضع على ما هو عليه

أي يظل انتشار الميليشيات الإيرانية وتواجدها في الساحة السورية كما هو في جميع أنحاء سوريا، في العمق السوري وعلى الحدود الجنوبية والشرقية والشمال والغرب السوري. لكن هذا المسار غير مرجح لعدد من الأسباب:

(1) تبنى دونالد ترامب، منذ أن وصل للحكم إستراتيجية تصعيدية ضد إيران، بل وأثبت في أكثر من مناسبة أنه جاد في هذه المواجهة، خاصةً بعد أن وفّى بوعده الانتخابي وانسحب من الاتفاق النووي الإيراني. وبالتالي لن يترك "ترامب" الحرية لإيران في أن تثبت نفوذها في كل أنحاء سوريا، كما كان الوضع في عهد سلفه باراك أوباما. خاصةً مع إدراك "ترامب" أنه بدون دعم اللوبيات الصهيونية لن يستطيع الفوز بفترة رئاسية ثانية، فضلًا عن استكمال فترته الحالية، في ظل تحقيقات الداخل حول مزاعم صلته بروسيا ودورها في التأثير على الانتخابات، لذلك سوف يكون حريصًا على تلبية الرغبات الإسرائيلية في أكثر من ملف.

(2) إسرائيل كذلك جادة في إخراج إيران من سوريا، من خلال ضربات جوية انتقائية من حين لآخر للقواعد الإيرانية، والتي تفتقد للحماية الجوية. حيث تتغاضى روسيا عن الضربات الإسرائيلية لهذه القواعد، برغم قدرتها على الحيلولة دونها. ومن ثم تدرك إيران التي تفتقد للغطاء الجوي اللازم، أنها على المدى البعيد قد يتم استنزافها في سوريا من خلال الضربات الإسرائيلية، إذا ظلت متمادية في نفوذها وانتشارها الواسع في سوريا، وبالتالي عليها أن تتراجع ولو قليلًا.

(3) قسمت روسيا الصراع السوري لمرحلتين: الأولى مرحلة الحسم العسكري، واستخدمت فيها كل الأدوات الممكنة لحسم الصراع لصالحها وصالح حلفائها، بما في ذلك اتفاقيات خفض التصعيد، التي استخدمتها في قضم مناطق خفض التصعيد الواحدة تلو الأخرى، والتي لم يتبق منها الآن غير إدلب، في هذه المرحلة تركت روسيا لإيران الحرية الكاملة في الانتشار والتغلغل في الساحة السورية. ومع قرب انتهاء الحسم العسكري والتمهيد للمرحلة الثانية، مرحلة الحل السياسي النهائي للأزمة السورية، يبدو التعاطي الروسي مع التواجد الإيراني فيها بشكلٍ مختلف. فلم تعد هناك نفس الحرية في التوسع والانتشار، من خلال سماح روسيا للضربات الإسرائيلية المتكررة للأهداف الإيرانية. وما يتم تداوله عن اتفاقات بين الجانب الروسي من ناحية والأمريكي الإسرائيلي من ناحية أخرى، حول سواء إخراج إيران من سوريا بشكل كامل أو إبعادها فقط عن الحدود.

ما يدفع روسيا لهكذا تعاطي مع إيران؛ من ناحية رغبتها في السيطرة المطلقة على الساحة السورية دون شريك، ومن ناحية ثانية تدرك أنها إذا ما توصّلت لحل سياسي نهائي مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الإقليمية، فلن تستطع فرضه على إيران في ظل تمتعها بتغلغل وانتشار كبير على الأرض، من ناحية ثالثة، تدرك أيضا أنها لن تستطيع التوصّل لهذا الحل دون توافق مع الجانب الأمريكي والإسرائيلي، والذين لن يوافقوا على تسوية لا تتضمن اخراج أو تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا على الأقل.

(4) تحتاج روسيا ومعها النظام السوري لإعادة إعمار سوريا بعد انتهاء الصراع والتوصّل لحل نهائي للأزمة، ولن تستطيع روسيا وحلفاؤها وحدهم التطلع بهذه المهمة. فقد أعلن ممثل برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة "يعقوب كيرن"، أن إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة في سوريا ستتطلب من 200-300 مليار دولار على الأقل. ومن ثم هذه مهمة تتطلب مشاركة المجتمع الدولي برمته والمؤسسات التنموية والتمويلية الدولية، فضلًا عن الدور الخليجي التمويلي، الذي لن ينفصل عن الإرادة والسياسية الأمريكية. بالإضافة لسيطرة الولايات المتحدة بدعم من حلفائها الأكراد على ثلث مساحة سوريا في شرق الفرات، وتتضمن هذه المنطقة على 60% من آبار النفط والغاز في سوريا، و80% من الأراضي القابلة للزراعة.

وهي موارد ستحتاجها سوريا ليس فقط في إعادة الإعمار ولكن أيضًا كمداخيل تساعد في استقرار سوريا على المدى البعيد. وبالتالي كل هذه المعطيات تدفع روسيا لتلبية الرغبات الأمريكية فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني في سوريا؛ ليس فقط لتتوصل لحل سياسي توافقي، بل أيضًا لتكون لديها القدرة على إعادة إعمار سوريا ما بعد الحرب.

(5) قد تكون هناك رغبة روسية سورية للتعامل مع الوجود الإيراني في سوريا كورقة مساومة مع خصومهم الإقليميين والدوليين. بالنسبة لروسيا هناك ملف القرم ورفع العقوبات وتحسين العلاقات مع الغرب، أما النظام السوري فيحتاج لاعتراف وقبول رسمي غربي ببقاء "الأسد" في الحكم على المدى المتوسط والبعيد، وتطبيع العلاقات معه من جديد.

(6) تدهور الاقتصاد الإيراني لحد كبير، وهو ما أدى لاندلاع احتجاجات داخل البلاد، بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2017، في مدينة مشهد شمال شرقي البلاد، ومازالت مستمرة بشكلٍ متقطع من حين لآخر. ولعل من أهم مظاهر هذا التدهور، الأرقام الصادرة عن البنك الدولي، والتي أشارت إلى أن الاقتصاد الإيراني انخفض من المركز السابع عشر إلى السابع والعشرين على مستوى العالم خلال العقود الأربعة الماضية، وكان مسعود نيلي المستشار الاقتصادي للرئيس الإيراني حسن روحاني، قال إن الدخل الحالي للفرد في إيران يبلغ 70% من دخل الفرد في عام 1976، وأن الإيرانيين أصبحوا أكثر فقرًا بنسبة 30 بالمائة خلال الأربع سنوات الماضية. كما تراجع سعر الريال الإيراني بشكلٍ كبير في مقابل الدولار، حيث عُرض الدولار بسعر يصل إلى 75 ألف ريال، مقارنة مع حوالى 65 ألف ريال قبيل إعلان "ترامب" قراره بالخروج من الاتفاق النووي. هذا التراجع الاقتصادي المتزامن مع احتجاجات متكررة قد يدفع إيران لتقديم تنازلات في مناطق الأزمات، على رأسها الساحة السورية، فالضربات التي تتعرض لها هناك تكلفها خسائر فادحة إضافية.

المسار الثاني، الخروج الإيراني من سوريا

أي انتهاء كل مظاهر الوجود الإيراني العسكري في سوريا، سواء ميليشيات أو قواعد عسكرية وخروجها منها بشكلٍ كامل. لكن هذا المسار أيضًا غير مرجح لعدد من الأسباب:

استنادًا للسيطرة الجوية الروسية في سوريا، والسيطرة البرية لإيران وميليشياتها، فإن حاجة الطرفين الروسي والإيراني لبعضهما البعض مستمرة وستظل مستمرة، حتى بعد تحرير سوريا من "تنظيم الدولة" بشكلٍ نهائي. فمن ناحية تحتاج روسيا لإثبات قدرتها وسيطرتها على أكبر قدر ممكن من الجغرافيا، إبان اتفاقاتها مع أمريكا حول التسوية السياسية ومناطق تقسيم النفوذ، والتي يبدو أنها ستستمر طويلًا. ومن ناحية أخرى تحتاج روسيا للميليشيات الإيرانية حتى بعد التسوية؛ من أجل ضبط الأمن والاستقرار على الأرض، في ظل الخسائر البشرية لقوات النظام فضلًا عن الانشقاقات الحاصلة في بداية الأزمة، ومن ثم عدم امتلاكها المقدرة البشرية الكافية اللازمة للسيطرة على الرقعة الجغرافية السورية.

إلا إذا كانت روسيا ستستعيض عنها بقوات روسية، وهو أمر غير مرجح؛ لأن هذه القوات ستكون معرضة للهجوم كثيرًا من قِبَل "تنظيم الدولة"، من خلال عودته لتبني نمط حروب العصابات والكر والفر مستقبلًا. وبحسب ما نقله التلفزيون الرسمي الإيراني عن قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري، في 23 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إعلانه عن إبقاء قوات الحرس الثوري في سوريا، حتى بعد انتهاء المعارك، حيث اعتبر أنها ستلعب دورًا في تحقيق وقف إطلاق نار دائم. الأمر لا يتعلق فقط بالرغبة الروسية من عدمها، بل أيضا بعدم مقدرتها على إخراج إيران بشكلٍ كامل، لأن هناك ثمة تغلغل عسكري واقتصادي بنيوي إيراني في سوريا.

2ـ تخشى روسيا من أن يؤدي الخروج الإيراني من سوريا، لأن تعيد قوى المعارضة المسلحة ترتيب نفسها، وتسعى لاستدارة جديدة على الأرض السورية؛ من أجل تغير موازين القوى بالسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأرض. خاصةً وأنه من ناحية تتحمل الميليشيات المدعومة إيرانيًّا السيطرة الأكبر على الأرض، في ظل افتقار النظام للمقدرة البشرية اللازمة. ومن ناحية أخرى ليس هناك ضمانات أمريكية للجانب الروسي بخصوص عدم قيام المعارضة بأي خطوة يمكنها أن تغير من موازين القوى على الأرض، ولا تمتلك الدولتان حجم من الثقة البيني يمكن أن يسمح بهكذا اتفاق.

الأمر لا يقتصر فقط على الساحة السورية، بل تعد إيران القوة الإقليمية الأقرب لروسيا في منطقة الشرق الأوسط ولسياساتها. ومن ثم من الصعب أن تجازف روسيا بخسار الحليف الإيراني؛ لأنها بذلك تحدث انكشاف استراتيجي ليس لإيران فقط بل لنفسها أيضًا. فضلًا عن تشارك الدولتين في العقوبات الأمريكية المفروضة عليهما. ففي أغسطس/آب الماضي، أقر "ترامب" عقوبات على روسيا وإيران وكوريا الشمالية، تعتبر هذه العقوبات الأمريكية الأكبر منذ بداية عام 2014. وبالتالي تدفع هذه العقوبات الجانبين الروسي والإيراني لتبني تدابير تضامنية؛ من أجل تقليل فاعلية هذه العقوبات.

المحدد الاقتصادي يحمل دلالات هامة في هذا الصدد، فعلى هامش زيارة فلاديمير بوتين، لإيران في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعلنت شركة المحروقات الروسية "روس نفط"، أنها وقّعت مع شركة النفط الإيرانية العامة خارطة طريق، لتنفيذ مشاريع استغلال مشترك لحقول نفط وغاز في إيران، باستثمارات إجمالية يمكن أن تبلغ 30 مليار دولار. وعن التبادل التجاري، قال ممثل الغرفة التجارية الروسية في إيران الكساندر ماكسيموف، أنه في عام 2016، وبفضل رفع العقوبات المفروضة على إيران، ارتفع حجم التبادل التجاري بين إيران وروسيا مقارنة مع العام السابق بنسبة 70%، حيث تم تسجيل رقم مليارين و 200 مليون دولار، مؤكدًا أن حجم التجارة الثنائية يمكن أن ترتقي إلى 10 مليارات دولار سنويًّا. وأخيرًا، جدد السفير الروسي لدى إيران ليفان جاغاريان، التأكيد على استمرار موسكو وطهران في العمل على اعتماد العملتين الوطنيتين في المبادلات التجارية بين روسيا وإيران، أي أنهم بصدد تبنّي الروبل والريال في تغطية التجارة البينية.

لم ينحصر التدخل الإيراني في الأزمة السورية في تمظهره العسكري واللوجستي فقط، بل امتد ليشمل الاقتصاد، وما يتعلق به من استثمارات في العديد من المجالات. ففي قطاع الطاقة، أعلنت إيران أنها تعتزم إنشاء مصفاة نفط كبرى قرب مدينة حمص في وسط سوريا، والتي ستقوم بتكرير 140 ألف برميل يوميًّا، كذلك حصلت إيران على ترخيص باستثمار نحو 5000 هكتار؛ لإنشاء مرافئ وخزانات للنفط في الساحل السوري، كما أعطى النظام إيران حق استثمار مناجم الفوسفات في ريف حمص، وهو يعتبر من أكبر حقول الفوسفات في العالم، أما قطاع الكهرباء، فقد استثمرت إيران في مشاريع الكهرباء بإعادة تأهيل محطات في دمشق وحلب وحمص ودير الزور وبانياس، أما في قطاع الاتصالات، فتستعد طهران لاستثمار مشغل ثالث للخليوي، إلى جانب شركتي "سيرتيل" و "إم تي في"، وعن قطاع الزراعة، هناك استثمارات زراعية لإيران في مساحات كبيرة لا تقل عن خمسة آلاف هكتار، وأخيرًا القطاع العقاري، ويبقى الاستثمار العقاري أهم الاستثمارات الإيرانية في سوريا وأكثرهم ربحًا. ومن ثمّ أحدثت إيران بهذه الاستثمارات الضخمة تغلغلًا بنيويًّا في الاقتصاد السوري، كما في الجوانب العسكرية. لدرجة تجعل من الصعب على بشار الأسد أن يقدم على خطوة إخراج إيران وكل مظاهر وجودها من البلاد، هذا إذا رغب "الأسد" في ذلك من الأساس.

ما صرح به وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في يوليو/تموز الجاري، بأنه من غير الواقعي انتظار خروج إيران من سوريا وتوقفها عن لعب دورها في الإقليم. وعلى الرغم من أن روسيا تمتلك الكلمة العليا في الساحة السورية وعلى النظام السوري، وبالرغم من إدراك "الأسد" أن روسيا الأكثر قدرة على ضمان بقائه في الحكم، بالتوافق مع القوى الإقليمية والدولية، إلا أن حجم الثقة الذي يجمع "الأسد" بإيران يفوق نظيره الذي يجمعه بروسيا؛ حيث يدرك "الأسد" أنه من الممكن أن تستخدمه روسيا كورقة مساومة مع الأطراف الدولية والإقليمية في التسوية النهائية للأزمة. ومن ثمّ فإيران تتمسك بالأسد ليس في المدى المنظور فقط، بل حتى على المدى المتوسط والبعيد.

المسار الثالث، الابتعاد عن الحدود والاتجاه نحو العمق

أي أن الميليشيات الإيرانية لن تغادر الأراضي السورية، وستتوصل القوى الإقليمية والدولية لحل وسط، وهو ابتعاد الميليشيات الإيرانية عن الجنوب السوري نحو العمق السوري والساحل الغربي "أي سوريا المفيدة وما حولها"، ثم ابتعاد هذه الميليشيات بعد ذلك في مرحلة لاحقة عن المعابر الحدودية بين سوريا والعراق في الشرق السوري، بالأخص معبر البوكمال السوري مقابل مدينة القائم العراقية، ومعبر البعاج المنشأ حديثًا. ويبدو هذا المسار هو المرجح والأكثر واقعية، في ظل وجود عدة معوقات تحول دون تحقيق الخروج الإيراني الكامل من سوريا، وأخرى تحول دون استمرار انتشار الميليشيات الإيرانية في جميع أنحاء سوريا، ومن ثمّ فإن الابتعاد عن الحدود الشرقية والجنوبية، هو الحل الذي يمكن أن يقبل به الجميع في ذات الوقت كحل وسط.

وبينما يمكن النظر في مسألة الوجود الإيراني في الشرق السوري في وقت لاحق، والتي قد تستخدم الولايات المتحدة فيها سيطرتها على موارد الزراعة والطاقة كورقة ضغط مع الروس حينها؛ لإبعاد الإيرانيين عن المعابر الحدودية، فإن حلحلة المسألة الجنوبية تطغى حاليًّا على نقاشات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الأزمة السورية. فقد تمخض عن زيارة بنيامين نتنيناهو لموسكو، في 11 يوليو/تموز الماضي، الاتفاق على إبعاد الميليشيات الإيرانية عن الجنوب السوري، مقابل سماح إسرائيل لقوات النظام بالانتشار بالجولان ودرعا والقنيطرة حتى الحدود الأردنية، وتفكيك قاعدة التنف العسكرية الأمريكية على الحدود السورية العراقية الأردنية، وذلك بمشاركة روسية مكثفة لضمان انسحاب الإيرانيين من المنطقة.

وما يرجح هذا الاتفاق، نفى السفير الإيراني في الأردن مجتبى فردوسي بور، في 23 مايو/آيار الماضي، وجود قوات إيرانية في الجنوب السوري، وأكد أن بلاده لن يكون لها أي دور في معارك الجنوب. كما شهدت خطوط فصل القوات بين إسرائيل وسوريا في هضبة الجولان المحتلة في 17 يوليو/تموز الماضي حراكًا غير عادي، إذ سحبت قوات النظام آلياتها الثقيلة وقسمًا من جنودها شرقًا، تفاديًا للتصادم مع إسرائيل في منطقة القنيطرة؛ في إشارة من دمشق لطمأنة تل أبيب خلال المعارك في الجنوب.

وهو ما ينسجم مع التفاهمات التي تمت في قمة هلسنكي، حول ضمان أمن إسرائيل والتزام النظام السوري ببنود اتفاقية فصل القوات الموقعة في 1974. هذا بالإضافة لإعلان ألكسندر كينشاك السفير الروسي في دمشق، في 19 يوليو/تموز الماضي، أن هذه المسألة تم تسويتها، ولم يعد هناك وجود لتشكيلات تابعة لإيران في جنوب سوريا.

وأخيرًا ما نقلته وكالة "تاس" الروسية للأنباء في الأول من أغسطس/آب الماضي، عن مبعوث موسكو إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف، قوله إن القوات الإيرانية والميليشيات الحليفة لها سحبت أسلحتها الثقيلة إلى مسافة 85 كيلومترًا من الحدود بين إسرائيل وسوريا في هضبة الجولان، لكن هذا العرض تم رفضه من قِبَل إسرائيل؛ حيث أعلنت رغبتها في إنهاء الوجود الإيراني بشكلٍ كامل من سوريا.

لكن في المقابل، وبينما أعلن الروس انسحاب الميليشيات الإيرانية من الجنوب السوري، فإن العديد من مقاتلي هذه الميليشيات عمدوا إلى الاندماج مع قوات النظام؛ حيث دُمجت وحدات "حزب الله" مع الفرقة الرابعة من الجيش السوري والحرس الجمهوري، في حين تم رصد مقاتلين من ميليشيات مثل "لواء الفاطميون" داخل "قوات النمر" تحت قيادة العميد السوري سهيل الحسن، وهم يرتدون زيهم وشاراتهم، وسواء كانوا يختبئون داخل وحدات النظام أو ينتشرون بشكلٍ منفصل، يبدو أن وكلاء إيران وشركاءها متورطون بشدة في الهجوم الأخير على درعا وغيرها من معارك الجنوب، كما ينتشرون أيضًا حول منطقة "دير العدس" في القنيطرة، التي تقع على بعد ما يقرب من 15 كيلومترًا من هضبة الجولان.

هذا الاندماج الإيراني داخل قوات النظام، عاد مبعوث موسكو إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف، للإشارة إليه، حيث ذكر أن هناك عسكريين إيرانيين ربما يكونون وسط قوات النظام السوري، التي لا تزال أقرب إلى الحدود الإسرائيلية. كما أعلن لواء "ذو الفقار" وهي ميليشيا تابعة لإيران في خبر لها على حسابها الفيسبوكي، في 26 يونيو/حزيران الماضي، أن جنود جيش النظام السوري و"لواء ذو الفقار" موجودون الآن في قلب بصر الحرير بريف درعا الشرقي. وفي مقابل ذلك، لم تقدم الولايات المتحدة على تفكيك قاعدة التنف العسكرية. وذلك لمراقبة وضمان خروج الإيرانيين من الجنوب السوري، فضلًا عن تخوفها من سيطرة الميليشيات الإيرانية على معبر التنف، الذي سيمكنها من توصيل ممرها البري. وبينما هي تسعى لإبعاد هذه الميليشيات عن السيطرة على المعابر الحدودية في الشمال الشرقي، فكيف ستترك المعبر الوحيد في الجنوب الشرقي، دون ضمانات حقيقية من الجانب الروسي لعدم حدوث سيطرة إيرانية عليه.

خلاصة

بينما ترجح الورقة بقاء الميليشيات الإيرانية في الساحة السورية، مع الاتفاق على إبعادهم عن الجنوب السوري حيث الحدود مع إسرائيل، وابتعادهم في مرحلة تالية عن السيطرة على المعابر الحدودية مع العراق في الشرق السوري، فإنه يجب التأكيد على عدة نقاط:

  1. يبدو أن الاتفاق الذي يتضمن إبعاد الميليشيات الإيرانية عن الحدود الإسرائيلية، مقابل ترك السيطرة على الجنوب السوري لقوات النظام، الراوية الأكثر منطقية والأقرب للواقعية، فهي تمثل الحد الأدنى من الرغبات المتبادلة لكل طرف. وبينما فشلت اتفاقية خفض التصعيد في الجنوب السوري في إنهاء الوجود الإيراني من المنطقة، فهل ينجح الاتفاق الأخير في هكذا هدف؟
  2. أن هذا الاتفاق لم يتم تنفيذه بشكلٍ كامل، ففي حين التزمت الولايات المتحدة وإسرائيل بالسماح لقوات النظام بالسيطرة على أغلب محافظات الجنوب، وامتنعوا عن دعم المعارضة المسلحة في هذه المنطقة، فإنها لم تلتزم بتفكيك قاعدة التنف العسكرية. وفي حين ادعت روسيا إبعادها للميليشيات الإيرانية عن الجنوب، كما أعلن سفيرها في دمشق ومن بعده مبعوثها، فإنها تركت الحرية لهذه الميليشيات في الاندماج مع القوات النظامية، مع احتمال تسلل بعض الميليشيات الإيرانية للجنوب، وهو ما يفسر الإبقاء الأمريكي على قاعدة التنف.

ويرجع ذلك؛ لانعدام الثقة المتبادلة بين الجانبين الأمريكي والروسي. ومن ثم يمكن القول إن الميليشيات الإيرانية لم تنسحب عمليًّا من الجنوب السوري بشكلٍ يمكن أن يرضي الجانب الإسرائيلي، فبينما تم ابعاد العتاد الإيراني وأسلحتها الثقيلة لمسافة 85 كم عن الحدود الإسرائيلية، وهو ما ينهي أي فرصة إيرانية لإنشاء قواعد عسكرية لها في الجنوب، فإن المقاتلين والمستشارين العسكريين الإيرانيين قد اندمجوا داخل قوات النظام القريبة من الحدود الجنوبية. وهو ما قد يفشل طرائق الحل السياسي؛ لأن الولايات المتحدة لن تسمح بالوصول لحل ينهي الأزمة السورية دون إنهاء النفوذ الإيراني في سوريا أو تحجيمه بشكلٍ فعلي كحد أدنى، مستخدمةً أوراق الضغط التي تمتلكها في الساحة السورية، وهي كثيرة.

  1. قد تنظر الولايات المتحدة للاتفاق المتعلق بإبعاد الميليشيات الإيرانية عن الحدود الإسرائيلية كاختبار للنوايا الروسية فيما يتعلق بنظرة الأخيرة للوجود الإيراني، يمكن البناء عليه في التوصل لحل سياسي نهائي للأزمة السورية. وبالتالي فإن أي فشل لهذا الاتفاق سوف يشعل تصعيدًا عسكريًّا إسرائيليًّا أكثر حدة ضد المعاقل الإيرانية والسورية في سوريا، كما سيطيل من أمد الأزمة، ويزيد من حجم الفجوة بين موسكو وواشنطن، ويؤجل الحل النهائي لأجل غير مسمى.
  2. ترجح الورقة أنه حتى إن لم تتمخض الاتفاقات الحالية عن إبعاد الوجود الإيراني عن الحدود الجنوبية والمعابر الشرقية مع بقائها في بقية أنحاء سوريا في العمق والغرب السوري، فإن هذه الصورة الأخيرة من صور تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا ستكون المرجحة مستقبلًا على المدى البعيد، في ظل عدم واقعية خياري الخروج الكامل أو البقاء المطلق في كل أنحاء سوريا.
بقلم: 
طارق دياب
المصدر: 
المعهد المصري للدراسات


تعليقات