قمة هلسنكي ودور إيران في سوريا

قمة هلسنكي ودور إيران في سورية
  قراءة

منذ سنوات، لم يكن للولايات المتحدة الأمريكية تصور مستقل يتعلق بالموضوع السوري المتفجر، ما خلا "استراتيجية" الخلاص من "تنظيم الدولة" (داعش)، وكانت "الاستراتيجية" الأساس الذي قامت عليه العلاقات الأمريكية مع بقية القوى المتصارعة في سوريا، لا سيما مع القوات الكردية شمال سوريا وشمال شرقها.

عدا ذلك، اقتصر الدور الأمريكي على العرقلة والمقايضة والصورة الإعلامية التي تطلبت رشقات صاروخية، حين كانت تعلو رائحة السلاح الكيميائي عن الحد الذي يمكن السكوت عنه. ولم يكن الدور الأوروبي، المرهون لهواجس اللجوء ومحاربة غزو الإرهاب لدول القارة العجوز، أفضل حالًا، بل ظل، في الغالب، دورًا تابعًا لمتبوعه الأمريكي. هذا ما جعل الدور الروسي الإيراني أكثر فاعلية، وجعله يفرض إيقاعه على جميع الأطراف. هنا يوجد حلفٌ يمتلك، إلى جانب القوة، وضوح الهدف، وهناك حلفٌ يمتلك القوة، وهي، فوق ذلك، قوة متفوقة في الواقع، لكنها بلا هدف واضح، الأمر الذي جعله تابعًا للحلف الأول، أو معرقلًا له في أفضل حال. على هذا، يمكن القول إن الحلف الأول "داعم لنظام الأسد"، ولكن لا يمكن القول إن الحلف الثاني داعم لتغيير هذا النظام، وهذا من أهم العناصر التي صنعت الفرق في مسار الصراع السوري.

على هذا، يمكن القول إن لدى الرئيس الروسي "بوتين" في القمة المرتقبة له مع الرئيس الأمريكي "ترامب" في هلسنكي بعد غدٍ (16 يوليو/ تموز)، شيئًا استراتيجيًّا يقوله بوضوح حيال الموضوع السوري، فيما ليس لدى "ترامب" سوى المطالبة بترتيباتٍ أقل أهمية بكثير. سيقول "بوتين" إنه يريد هزيمةً تامةً لمعارضي "نظام الأسد"، وإنه يدعم استمرار هذا النظام كما هو، أو بدستور "معدّل"، لا قيمة فعلية له طالما أن العصب الأساسي للدولة بقي بيد الحلف الأسدي. وسيكتفي "ترامب" بمطالب تتعلق بشروط انسحاب القوات الأمريكية من سوريا (من مستوى أن لا يلاحق النظام العناصر المسلحة السورية التي عملت بالتنسيق مع القوات الأمريكية بعد انسحاب هذه)، وبضرورة عدم وجود وحدات إيرانية قريبة من الحدود مع إسرائيل والأردن. لم يعد "ترامب"، ولا حتى إسرائيل، تصر على خروج إيران من كامل سوريا، ليس لأنهما توافقان على وجودها، بل بالأحرى لأن من الصعب فرض هذا المطلب، حتى لو أراد الروس ذلك، من دون المغامرة بحرب إقليمية واسعة، لا يريدها "ترامب" (المنكفئ)، ولا يبدو أن إسرائيل تريدها أيضًا.

مع ذلك، يبقى مشروعًا التساؤل عن جدية المطالبة الأمريكية والإسرائيلية بخروج إيران الكامل من سوريا. ألا يشكّل الوجود الإيراني عامل شلل لطاقات التغيير في المجتمع السوري، حين يكون هذا الوجود "التوسعي" محرّضًا دائمًا على صراع هوياتي مدمر داخل المجتمع من جهة، وحين يكون، من جهة أخرى، سببًا لاستمرار وجود نظام سياسي بات عبئًا على البلد، وبات التغيير السياسي الذي يمنعه الوجود الإيراني شرطًا لخروج سوريا من دائرة الشلل؟ أليس في استمرار الوجود الإيراني إذن ضمانٌ لاستمرار شلل المجتمع السوري؟ أليس هذا ما يخدم الاستراتيجية الاسرائيلية البعيدة، بمجرد ضمان بعد الميليشيات التابعة لإيران عن حدودها؟

من نافلة القول، إن الطلب الأسدي على الوجود الإيراني في سوريا يزداد، كلما يزداد ضعف النظام عسكريًّا وسياسيًّا. والحال أن "نظام الأسد" يعاني عسكريًّا من نقصٍ في الموارد البشرية مع تهرّب نسبة كبيرة من "الموالين" من الخدمة الإلزامية، ما يزيد من اعتماده على الميليشيات إيرانية الولاء، ويعاني من تراجع حاد في موارده الاقتصادية اللازمة لدعم مجهوده الحربي. وتشير الأرقام إلى تراجع الدخل القومي السوري بنسبة 500% (من 60 إلى 12 مليار دولار). وسياسيًّا يعاني النظام من نقصٍ حاد في القبول الشعبي، ما يعني نقصًا حادًّا في الشرعية، ذلك أن القبول الشعبي يُشكِّل معيار الشرعية في البلدان التي تفتقد آلية مضطردة لإنتاج الشرعية السياسية.

الخلل العميق في التصور الأمريكي والإسرائيلي حيال الوجود الإيراني، أو وجود القوات التابعة لإيران في سوريا، يكمن في تجاهل الحقيقة المذكورة آنفًا. من المفارقة الجمع بين المطالبة برحيل إيران عن سوريا والقبول ببقاء "نظام الأسد" الذي لا يقف على قدميه من دون الدعم الإيراني. القبول ببقاء "نظام الأسد" يقتضي القبول ببقاء وجود إيراني في سوريا، ذلك لأنه لا يمكن لروسيا أن تغطّي الدور الذي تفعله إيران في حماية "نظام الأسد". تجاهل حقيقة أن خروج إيران من سوريا مرهونٌ بتفكيك "نظام الأسد" يشكل خللًا في التصور الأمريكي والإسرائيلي، وهو خللٌ يدركه هؤلاء، ولا شك، لكن استراتيجيتهم تقوم على عدم تجاوز الخلل المذكور، وفق الصيغة التالية: لتبق إيران في سوريا بما يخدم استمرار "نظام الأسد"، ولكن من دون أن يشكِّل ذلك تهديدًا لأمن إسرائيل. والترجمة العملية لهذا الموقف هي المطالبة ببقاء الوحدات التابعة لإيران على بعد 65 كم مما تراه إسرائيل حدودًا لها، وعلى بعد 25 كم من الحدود الأردنية.

على هذا، لا يمكن توقع حصول اتفاق روسي أمريكي على خروج كامل للقوات الإيرانية من سوريا. ما يمكن توقعه، في هذا الخصوص، التزام روسي بمعالجة مخاوف إسرائيل، سواء من وجود إيراني على حدودها، أو من دور إيراني مقلق في جوارها، وهو ما يُتوقع أن يقابله الرضى الأمريكي بدور أساسي للروس في ترتيب البيت السوري على مقاس نظامٍ معاق، ومعارضة مستعدة للانحناء بما يكفي للدخول تحت السقف

بقلم: 
راتب شعبو
المصدر: 
العربي الجديد


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات