البعد العربي في عقل الدولة التركية

البعد العربي في عقل الدولة التركية
  قراءة

أمضيت أسبوعًا مع خمسين صحافيًّا وصحافية عربية ينتمون إلى 18 دولة، ويمثلون كبرى وسائل الإعلام العربية، للتعرف أكثر على عقل الدولة التركي، كانت تجربة مميزة تراوحت بين السياسة والاقتصاد والاجتماع إلى السياحة والاستراتيجية والإعلام. وسأسعى على مدى حلقات أن أسرد عليكم تجربتي خلال تلك الزيارة الثرة والمهمة للاطلاع عليها والتعرف أكثر على دولة بحجم تركيا أثرًا وتأثيرًا بعالمنا ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا..

البعد العربي كان ولا يزال أحد ما ميّز عقلية الدولة التركية منذ وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى الحكم عام 2002، وهو ما قد يُسطَّر تاريخيًّا بـ "قيامة أردوغان" بعد قيامتي أرطغرل وعثمان، ونظرًا للعلاقة الروحية والمشاعرية الإسلامية بين جوهر الحزب وبين العالم العربي كان التركيز على البعد العربي واضحًا وطبيعيًّا، ساعدهم في ذلك تحدّر بعض قيادات الحزب وعلى رأسهم "أردوغان" نفسه من مدارس " إمام وخطيب"، وهنا لا بد أن يسجل للسيد ،تورغوت أوزال، أنه كان البلدوزر الذي مهَّد الطريق لـ"قيامة أردوغان" وقيامة حزب العدالة والتنمية، يوم أزاح كل القيود عن دخول خريجي إمام وخطيب لمؤسسات الدولة التركية..

بدأ السيد رئيس بلدية إسطنبول، مولود أويصال، حديثه للوفد الصحافي العربي بالقول إن الجغرافيا قدر كما قال ابن خلدون، وبدأ يشيد بالعلاقات العربية ـ التركية، مشددًا على ضرورة تعميقها ولعل أحد الأدوات والدوافع هي الإعلام. تُفاجأ اليوم في تركيا بحجم من يتحدث العربية مقارنة بمن زارها في الثمانينيات، حيث كان يتعذر عليه التفاهم مع تركي إن كان باللغة العربية أو باللغات الأجنبية، أما اليوم فالعديد من مستشاري الدولة هم ممن يجيدون العربية ومنهم كبير مستشاري الرئيس ياسين أقطاي، فضلًا عن مرافقينا الذين كانوا يتحدثون العربية بطلاقة، بل ويشرح لنا موظف في مطار إسطنبول الجديد بالعربية عن المطار ومرافقه، وقد اشترط مدير أضخم مشروع عالمي ينفذ اليوم وهو مشروع مطار إسطنبول الجديد قدري سامسونلو بأن كل من يعمل في المطار على مستوى التعامل مع المسافرين لا بد أن يتقن لغتين أجنبيتين العربية ولغة أخرى...

وكالة أنباء "الأناضول" شبه الرسمية التي امتدت وتوسعت كالفطر خلال السنوات الماضية، فكانت إحدى الأذرع الدبلوماسية الناعمة لتركيا لعبت وتلعب دورًا كبيرًا في هذا الإطار، فقد كانت إحدى الرعاة لهذا الملتقى الصحافي، وغطت بتوسع نشاطاته، وغدت بالفعل نافذة مهمة للعالم العربي بنخبه وطبقاته الأخرى على تركيا وبالعكس نظرًا لمكاتبها المتعددة في كل أنحاء العالم، واهتمامها التفصيلي بمشاكله وما يعتمل فيه..

القضايا العربية التي يوليها الأتراك أهمية بالغة إن كان بسبب وجود أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ سوري في تركيا أو جنسيات عربية أخرى، أو بسبب القضية الفلسطينية التي كان الرئيس "أردوغان" على رأس المشاركين في مؤتمر جبل غصن الزيتون لتوزيع الجوائز على الناشطين العالميين تأييدًا لفلسطين ومنهم راشيل خوري، حيث تسلم الجائزة والدها ووالدتها، وهي التي دهستها جرافة إسرائيلية، كل ذلك يؤكد على البعد العربي في السياسة التركية الحالية ...

الرئيس "أردوغان" الذي كان يتغنى بأشعار نزار قباني، خلال كلمته في الجائزة عكس بذلك مدى البعد العربي في عقل دولته، والذي باعتقادي المتواضع أنه كان منذ نشأته أيام حكم السلاطين العثمانيين مسكونًا بالغرب و متجهًا أكثر له، ولذا رأينا المعارك كانت تُخاض بأرض الغرب بينما تم إهمال الشرق فتمدد محمد علي إلى الأناضول وأرهق الدولة العثمانية بحروبه معها، لكن لعل الالتفاتة الحالية قيامة حقيقية للعدالة والتنمية و"أردوغان" لتكون قيامة العالم العربي والإسلامي بإذن الله .
 

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب




تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات