العزلة التنظيمية.. داء العمل الإسلامي

العزلة التنظيمية.. داء العمل الإسلامي
  قراءة

كانت العزلة الشعورية التي أطلقها الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- مدعاة للبعض أن يتكأ عليها في بناء أفكار تطرفية وعنفية بالغة الخطر على العمل الإسلامي، لكن لم يعش سيد قطب ويرى من دعا ومارس العزلة التنظيمية، وانعزل بذلك عن الشعب، محل التغيير ورأسماله، فابتعد بذلك عن هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام القائل: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".

التغيير والتحول الاجتماعي يتطلب من أي حركة تغييرية وطامحة لنجاح مشروعها أن تنزل إلى مستوى العامة والشعب، فتقنعه بمشروعها، وتنقله من حاضنته إلى حاملته، وهو ما نجحت فيه الجماعات والحركات الشعبوية غير الإسلامية إن كانت البعثية أو الناصرية ومعهما حزب الشعب في باكستان وغاندي في الهند وغيرهما كثير، بينما انكفأت بعض الجماعات الإسلامية وتحديداً المسلحة منها إلى غيتو العزلة التنظيمية، فجعلت مشروعها خاصاً بها، لم تنقله إلى العامة لتقاتل عنه وتكافح من أجله، وتعتبره مشروعها، بل نجح الاستبداد في تصوير هذه المشاريع مضادّة للشعب ومصالحه ومنافعه.

حين ظهر الربيع العربي، وتقدمت الشعوب العربية مطالبة بالتغيير، فمهّدت الطريق وعبدته للحركات الإسلامية، ظن الكثيرون أن الأخيرة ستتسيد المشهد ربما لسنوات مقبلة، خصوصاً وأن التظاهرات خرجت من المساجد معقل الجماعات الإسلامية ونشاطها، فضلاً عن كون الأخيرة المعارضة الحقيقية لأنظمة الاستبداد على مدى عقود بخلاف الجماعات الأخرى التي كانت في غالبيتها العظمى حليفة للاستبداد، بل صانعة له وحامية له، ولكن بسبب الأخطاء التي ارتكبتها هذه الجماعات، إن كان بإصرارها على المشروع التنظيمي البعيد عن الأمة والجماهير وما تطمح إليه، أم بمواصلة ممارستها عقلية المعارضة حين وصلت إلى السلطة، أو بإيثارها الاستئثار بالسلطة والحكم بعيداً عن التشاركية، متجاهلة أن خطوات هدم الاستبداد ومؤسساته وأركانه بحاجة إلى وقت طويل، ربما لا يقل عن الوقت الذي استغرق بناء مؤسساته المستشرية بكل مفاصل الدولة والمجتمع المدني.

وحين سألت أحد القادة الإسلاميين ممن وصلوا إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، ما هو حجم السلطة التي كنتم تمارسونها وتتحكمون بها يوم كنتم في السلطة، فردّ علي قائلاً لا تتعدّى العشرة بالمائة، فقد كانت البيروقراطية تتحكم بكل شيء حتى بالخبر الصحافي الصغير الذي يُبث على شاشة التلفزيون والصحف الحكومية، وما زلت أتذكر كيف أبلغتني زميلة صحافية حين فوجئت بعدم مرافقة أي فريق تلفزيوني مصري للرئيس محمد مرسي يوم زار موسكو.

أخيراً على أصحاب نظرية العزلة التنظيمية ممارسة لا قولاً، أن يتذكروا أن الدهماء هي من تصنع التاريخ، وأن جراحات الصغار هي مثل الأرضة التي تقضم الشجرة الكبيرة وتنتهي بإسقاطها، وإن لم يعِ البعض أهمية الشعوب في التحرك والوقوف بوجه الاستبداد فإنه سيظل يحرث البحر.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات