لماذا يتآمر الغرب على تركيا؟

لماذا يتآمر الغرب على تركيا؟
  قراءة

يبدو واضحًا للعيان أن الغرب يسعى لإطالة أمد ما تسمى بـ"الحرب على الإرهاب"، حتى إن وزير الدفاع الأمريكي في بداية الحرب على "داعش" بالعراق، كان قد أعلن أن الحرب على الإرهاب ستستمر لمدة ثلاثين سنة، وقد قدّم استقالته بعد هذا التصريح بأيام قليلة وكأنه أفشى سرًا من أسرار هذه الحرب فأُجبر على هذه الاستقالة!

ويبدو أن لإطالة هذه الحرب أهدافًا عديدة أوضحنا أهمها في المقالة الماضية، ولا شكّ أن ضرب النموذج التركي الناهض هو أحد هذه الأهداف، ولكن لماذا يُراد ضرب تركيا وهي دولة علمانية وعضو مهم في حلف شمال الأطلسي؟!

لا شكّ أن تركيا تمتلك عددًا من الخصوصيات وعوامل القوة التي تثير مخاوف الغرب الذي يريد أن يحتكر القوة وحده من دون سائر الأمم، وتجعله هذه العوامل يشعر بالتوجس الدائم من تركيا، بل تدفعه للتآمر عليها ليلًا ونهارًا بأساليب متنوعة ومكائد خفية.

كما يحدث الآن من محاولات حثيثة لخنق تركيا عبر عوامل تبدو بأنها محلية وإقليمية ولا شأن للغرب بها، حيث تتناصر عددٌ من القوى والعوامل لمنع تركيا من التعمْلُق الرأسي والتمدُّد الأفقي، كما هو ملاحَظ لمن يتابع الأوضاع القائمة بشيء من التأمل والتحليل، ويبدو أن أهم هذه العوامل:

1. العبقرية الجغرافية

تحتل تركيا ما تسمى بـ"آسيا الصغرى" وهي المساحة التي تشمل هضبة الأناضول وتمتد بين البحرين الأبيض والأسود، وتقع في ملتقى أهم قارتين في العالم وهما آسيا القارة الأكبر مساحة وسكانًا في العالم، وأوروبا القارة الأقوى والأغنى حضارة في هذا الزمان.

وتطل على عدد من البحار ذات الأهمية الاستراتيحية البالغة وفي مقدمتها البحرين الأبيض المتوسط والأسود، وتتحكم بعدد من المضائق المائية وأهمها البسفور والدردنيل، وتمتلك أهم عاصمة تأريخية وأخطر مدينة عالمية وهي إسطنبول التي تتمدد في قارتي آسيا وأوروبا.

وذهب عديدون إلى أن من يمتلك هذه المدينة يمكنه أن يتحكم بالعالم، ولقد كان طريق الحرير يمر بها، ويمر عبر إسطنبول في عصرنا القطار الأهم والأطول في العالم وهو الذي ينطلق من الصين حتى يصل إلى بريطانيا وهي أقصى بلد في أوروبا.

وبالجملة فإن عبقرية الموقع الذي تقع فيه تركيا يمنحها مزايا عديدة، وتتحول هذه المزايا إلى محنة في أوقات الضعف؛ لأنها تستثير مؤامرات الطامعين وتستدعي هجمات الغزاة.

2. الماضي التأريخي العريق

تركيا ذات ميراث تأريخي عريق، حيث يفوح عبق التاريخ من كل بقعة فيها، فقد كانت دُرّة التاج الروماني والبيزنطي حتى قيل إن إسطنبول التي كانت تسمى "القسطنطينية" ظلت عاصمة لألف وسبعمائة سنة متواصلة.

وهي قبل ذلك وبعده مُضغة الدولة العثمانية التي كانت يومًا ما إمبراطورية عظمى لا تَغرُب عنها العظَمة، وشملت مساحات واسعة في العالم حيث ضمّت بلدان وسط آسيا وصولًا إلى القوقاز وأجزاء من سيبيريا، وضمّت معظم ما يعرف اليوم بالوطن العربي ونحوًا من نصف قارة أوروبا، حيث ظلت البلقان تحت السيطرة العثمانية لبضعة قرون.

ومنذ أن حاصرت جيوش العثمانيين فيينا في قلب أوروبا ووصلت إلى جنوب إيطاليا بعد أن دهست عددًا من الجيوش الأوروبية وفتحت عددًا من دول أوروبا الشرقية، فإن ظن الغربيين بالأتراك ظل غير حسن، وظلت تركيا تحت المجهر الغربي حتى أيام "مصطفى كمال أتاتورك" الذي أزهق روح الدولة العثمانية وطبّق النسخة الأكثر تطرفًاً من العلمانية الغربية!

ومن ثمَّ فإن صُنّاع الاستراتيجيات الغربية يُدخِلون الماضي الإمبراطوري في أي تحليل يتعلق بتركيا المعاصرة، ولا سيما عندما ترتفع الأصوات التي تُمجّد الدولة العثمانية وتنادي بالعودة إلى ثقافة ذلك العصر الذهبي، كما يفعل "أردوغان" منذ بضع سنوات هو ونظامه الذي يحكم تركيا في هذه الأثناء، حيث يعتقد كثيرون أن تركيا تستعيد بدأَبٍ إرثها العثماني، حتى إن بعض الغربيين يَعدّون "أردوغان" سلطانًا عثمانيًّا لا رئيسًا تركيًّا!

ويَزيد من شعور الغرب بالخوف من هذا العامل ما اشتهر عن الأتراك من قوة بأس وشكيمة عسكرية، فما زال اسمُ الانكشارية يثير الرعب والهلع في قلوب كثير من الغربيين، وهو عنوان القوات العثمانية الخاصة التي كانت تُربّى تربية عسكرية صارمة منذ الصغر وتُدرّب على فنون القتال وعلى استخدام كافة الأسلحة في مختلف الظروف، بجانب تعبئتها الدينية والقومية التي تجعلها شديدة البأس وقوية المراس.

3. الامتداد العِرْقي والديني

تمتلك تركيا دائرتين واسعتين في العالم للحركة والنشاط، ويمكنها استثمارها في محاولات استئناف الإقلاع الحضاري واستعادة الأمجاد التاريخية.

في الدائرة القومية، يُعدّ الأتراك من القوميات المهمة في العالم، حيث قد يصل عددهم إلى بضع مئات من الملايين، ويتوزعون في أنحاء واسعة من وسط آسيا الذي يشمل معظم البلدان الممتدة بين الصين وهضبة الأناضول (تركيا)، حيث يسعى النظام الحاكم في تركيا لدغدغة المشاعر القومية للأتراك في هذه البلدان وإيقاظ أمجادهم الغابرة.

وتزداد خطورة هذا العامل إذا عرفنا أن الأتراك يوجدون، بجانب هذه المناطق، كأقليات مؤثرة في كل من الصين وروسيا وعدد من بلدان البلقان الأوروبية ولاسيما اليونان وبلغاريا، أما الجاليات التركية الحديثة في أوروبا فهي قوية الحضور ولا سيما في ألمانيا التي يتواجد فيها أكثر من ثلاثة ملايين تركي، حيث ينظر بعض الغربيين إلى هذه الجاليات على أنها قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر بالمجتمعات الغربية في أي وقت، أما اليمينيون المتطرفون فيرون أن هذه الجاليات طلائع للاستعمار التركي المعاصر الذي يريد استئناف الفتوحات العثمانية واستعادة الأمجاد الغابرة!

في الدائرة الدينية، هناك دائرة دينية أعرض، إذ ينتمي 99% من الأتراك إلى الإسلام ولهم ماض عريق في تأريخ أمة الإسلام، حيث كانوا وراء تأسيس الدولة السلجوقية والدولة العثمانية وهما من أهم خمس دول في تاريخ العالم الإسلامي، ومن ثم فإن الدائرة الإسلامية الواسعة تمتد إلى الوطن العربي ذي الأربعمائة مليون إنسان من السكان و 14 مليون كيلومتر من المساحة المتربعة على المساحة الأكثر أهميةً استراتيجية في العالم والأكثر غنى بمصادر الطاقة.

بجانب مناطق واسعة في وسط آسيا وجنوب شرق آسيا تضم باكستان وإيران وبنغلاديش وإندونيسيا وماليزيا، مع ثلاثين مليون مسلم يوجدون في أوروبا كأقليات وجاليات، ويعيشون كأكثرية في ثلاث بلدان، وهي: ألبانيا والبوسنة والهرسك وكوسوفا.

في الصين هناك ما لا يقل عن سبعين مليون مسلم ينحدر أكثرهم من أصول تركية، وفي روسيا حوالي ثلاثين مليون مسلم ينتمي بعضهم إلى القومية التركية، وفي الهند أكثر من مائتي مليون مسلم.

كل هؤلاء ينظرون للأتراك كأشقاء أعزّاء بل يوجد من ينظر إليهم كقادة وموجهين نتيجة الإرث التاريخي المجيد.

وهذا ما يثير مخاوف كثير من البلدان التي يوجد بها هؤلاء، ولا سيما أن تركيا بدأت بمد يدها للمسلمين في كل هذه الدول والمناطق، خاصة من يعانون من محن كما فعلت في الصومال، وفي بورما بالنسبة لمسلمي الروهينغا، وكما فعلت في دعم قضايا وتطلعات الأقليات المسلمة في الصين وأوروبا وروسيا، حتى إن "أردوغان" بنى مسجدًا ضخمًا في موسكو وحضر حفل افتتاحه مع الرئيس الروسي "بوتين".

4. امتلاك مشروع نهوض حضاري

منذ وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى الحكم، بعد مشاركات عديدة في الحكم تحت عناوين وبأسماء عديدة، وقطار تركيا يسير وفق مخطط وئيد يسعى لاستعادة أمجاد الدولة العثمانية وإحياء دورها الضخم في استعادة الكرامة الإسلامية المهدورة، وفي تشكيل التوازن العالمي الذي اختلّ لصالح الغرب منذ مدة ليست بالقصيرة، لدرجة خلقت في غربيين كثيرين مشاعر الغرور والاستعلاء، حتى إن بعضهم تحدّث عن نهاية التاريخ بعد انتهاء الحرب الباردة وظهور العولمة التي تسعى لقولبة العالم كله وفق النموذج الأمريكي!

ورغم أن "أردوغان" لم يعلن الانقلاب على العلمانية لكنه يستخدم سياسة العَثْمَنة باطراد، ولا سيما بعد اندلاع الربيع العربي الذي أشعره بقوة الشعوب التي تحاول العودة إلى ماضيها المُنير، واتخذت هذه السياسة منحى أشد وضوحًا وأسرع سيرًا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة منذ عامين، حيث قام النظام بتصفية كثير من رموز العلمانية والتغريب وأصبح رموز النظام يجاهرون بحبهم لرموز العصر العثماني.

وظهر ذلك جليًّا من خلال أمور عديدة انعكست على الثقافة التركية السائدة، لدرجة أن الفنانين الأتراك صاروا يتسابقون على تجسيد أدوار بعض الرموز العثمانية كـ"أرطغرل ابن الشاه سليمان» و"محمد الفاتح" والسلطان "عبدالحميد"، وصار الجمهور التركي ينظر إلى الممثلين كأنهم أبطال حقيقيون بسبب هذا الشغف بالثقافة العثمانية!

إن نظام حزب "العدالة والتنمية"، رغم بعض الأخطاء التي ارتكبها هنا أو هناك كأي تجربة بشرية، يمضي في تحقيق مشروعه الحضاري لا يلوي على أحد، حيث حقّق إنجازات ضخمة نقلت تركيا من قعر الدول الفاشلة إلى واحدة من أكثر الدول نجاحًا في العالم، ففي الوقت الذي تتعرض فيه أوروبا لركود تسبب في إفلاس بعض اقتصادياتها وفي مقدمتها الاقتصاد اليوناني الجار اللصيق لتركيا.

فقد ظلت تركيا تتقدم بخطوات سريعة ومحسوبة العواقب كما نرجو ونتمنى، ما أدّى إلى مضاعفة الدخل القومي بضع مرات، وإلى إدخال تركيا في نادي الدول العشرين الكبرى في العالم، بعد أن قفز اقتصادها من المركز السابع والسبعين إلى المركز السادس عشر على مستوى العالم.

وهناك الكثير من الأرقام المبهرة في هذا المضمار على مستوى التعليم والزراعة والصناعة والخدمات يعرفها من يتابع الأحداث، ولغة الأرقام لا تحابي ولا تظلم أحدًا، حيث تجاوزت نسبة النمو الحقيقية في الاقتصاد التركي نسبة النمو في اقتصادات الصين والهند والبرازيل وهي الاقتصادات الأسرع نموًا في العالم خلال العقد المنصرم.

وما نريد أن نلفت النظر إليه هنا هو أن هذه القفزات والطفرات تمثل في نظر الغرب شهادة نجاح لسياسة العَثْمَنَة على المستوى التركي وشهادة صلاحية للإسلام السياسي على مستوى العالم الإسلامي، فقد أيقظت نجاحات تركيا السياسية والاقتصادية أشواق الإسلاميين في الشرق والغرب، وأَذْكت أنشطتهم الساعية لأسلمة أنظمة بلدانهم وتحريرها من أَسْر التبعية العمياء للغرب.

ما زاد من مسارعة الغربيين في تحركاتهم الهادفة للقضاء على الانبعاث التركي قبل أن يصبح عملاقًا يستحيل مواجهته والتصدي له، مع دقّ طبول الحرب ضد كافة الحركات الإسلامية الوسطية وتشجيع حركات التطرف والتخلف التي تتكّئ على الإسلام وتقتات على شعاراته.

ولكنّ الغربيين لا يجرؤون على المواجهة المباشرة بالطبع، ليس لأن النموذج التركي أصبح عصيًّا على الهزيمة ولكن خوفًا من توحيد القوى التركية برمتها، وحذرًا من استيقاظ الجماهير الإسلامية السادرة في غفلتها، حيث يَحذر الغربيون من إيقاظ ما يسمونه بالمارد الإسلامي الذي طال نومه، ولذلك فإنهم يلجأون للعمل الهادئ لا الصاخب وإلى المكر الخفي لا المواجهة السافرة، من أجل تفتيت تركيا من الداخل، وإشغالها بالأكراد تارة وبالعرب تارة أخرى، مع محاولات حثيثة للإيقاع بينها وبين إيران.

ومن خلال خبرتي بالملف التركي يبدو لي أن الإيقاع بين الحكومة التركية وبين تيار الخدمة ما هو إلا فصل من فصول المكر الغربي الذي كادت أن تزول منه الجبال والذي وقع الطرفان في شباكه حيث تخندق كل طرف ضد الآخر مسفهًا له ومتآمرًا ضده، وستكشف الأيام مدى دقة هذا التحليل من عدمه، والله من وراء القصد.

بقلم: 
د. فؤاد البنا
المصدر: 
مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات