مسيرات العودة وتأثيراتها على بيئة الصراع الإقليمية

مسيرات العودة وتأثيراتها على بيئة الصراع الإقليمية
  قراءة

تحمل مسيرة العودة، التي يواصل الفلسطينيون فعالياتها لليوم الثالث على التوالي، في طياتها طاقة كامنة للتأثير بشكلٍ كبيرٍ على البيئتين الإقليمية والدولية لكل من الفلسطينيين وإسرائيل.

ففي حال تواصلت هذه الفعاليات، وحافظت على وتيرتها، فإنها ستقلص بشكلٍ كبيرٍ من قدرة الأطراف الإقليمية على التأثير القضية الفلسطينية وستؤدي إلى تراجع مكانة بعض الأنظمة الحكم العربية لدى إسرائيل والإدارة الأمريكية.

فقد انطلقت فعاليات "مسيرة العودة" في ظل تحرك أمريكي لإملاء جملة الأفكار التي أعدها فريق مستشاري الرئيس، دونالد ترامب، بوصفها مشروع تسوية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي أطلق عليها "صفقة القرن".

ومن الواضح أن حرص منظمي "مسيرة العودة" على تصميم فعالياتها لتأكيد تشبث الفلسطينيين بحق العودة للاجئين يمثل رسالة لنظامي الحكم في مصر والسعودية اللذان يحاولان مساعدة إدارة "ترامب" على تمرير الصفقة، التي تشطب، ضمن أمور أخرى، حق العودة للاجئين، بأن تحركات هذين النظامين لن يكتب لها النجاح.

إلى جانب ذلك، فأن تفجر مظاهر المقاومة الشعبية الفلسطينية ضد الاحتلال وتواصلها وما يرافقها من سقوط الشهداء والجرحى سيقلص من قدرة نظم الحكم العربية على التطبيع مع الاحتلال وسيحرجها أمام الرأي العام في بلدانها. ناهيك عن أن هذا التحول سيجعل مهمة النخب المرتبطة بهذه الأنظمة والتي كلفت بتسويغ التطبيع مع تل أبيب، مستحيلة.

ولما كان هدف إدارة "ترامب" المعلن من وراء إمضاء "صفقة القرن" ودفع التطبيع بين إسرائيل ونظم الحكم العربية التي تدور في فلكها، هو التمهيد لبناء شراكة إستراتيجية بين هذه النظم وتل أبيب في مواجهة إيران والقوى الإسلامية، فإن إسهام مسيرة العودة في إسدال الستار على "صفقة القرن" وتجفيف بيئة التطبيع، يعني المسّ بفرص خروج الشراكة الإستراتيجية بين إسرائيل والدول العربية للعلن. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن مكانة نظم الحكم العربية، سيما في السعودية ومصر لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ستتراجع.

وتدل كل المؤشرات على  أن خارطة مصالح "نظام السيسي" في قطاع غزة تحديدًا ستتأثر سلبًا في حال تواصلت "مسيرة العودة" وتم الحفاظ على وتيرة فعالياتها. فحتى انطلاق "مسيرة العودة "كان "نظام السيسي" يوظف تأثيره على القطاع، سيما من خلال تحكمه في معبر رفح، بوابة غزة الوحيدة للعالم، في محاولة تحسين مكانته لدى إسرائيل، من خلال التوسط بين حماس وتل أبيب بشأن التهدئة وبحث فرص التوصُّل لصفقة تبادل أسرى تكون مريحة لحكومة اليمين المتطرف في إسرائيل.

ونظرًا لأن "مسيرة العودة"، كنمط من المقاومة الشعبية، تشارك فيها الكثير من القوى السياسية والفعاليات الجماهيرية، التي "حماس" جزء منها فقط، فإن قدرة "نظام السيسي" على الضغط على الحركة محدود للغاية.

 في الوقت ذاته، فإن توجّه الفلسطينيين للحدود مع الكيان الصهيوني يبعث برسالة واضحة بأن هذه الجماهير ستكون مستعدة للتوجّه لكل الحدود التي يتم عبرها فرض الحصار على القطاع.

وإن كان وزير الحرب الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، قد أقر في مقابلة أجرتها معه مؤخرًا صحيفة "ميكور ريشون" أن "نظام السيسي" يفتح ويغلق معبر رفح بالتنسيق مع إسرائيل، فإن هذا قد يستدعي تحركًا جماهيريًّا فلسطينيًّا لتغيير هذا الواقع.

وسيمثل تواصل "مسيرة العودة" تحديًّا للقيادة الأردنية، على اعتبار أنها ستجعل الفلسطينيين أقل استعدادا لقبول تجاهل نظام الحكم في عمان، المسؤول عن الإشراف على الأماكن المقدسة في القدس، للسياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إحداث تحول على الوضع القائم في المسجد الأقصى من خلال التوسع في السماح لغلاة المتطرفين من المستوطنين اليهود بمواصلة تدنيس المسجد.

وقد يضطر الأردن لتغيير نمط سلوكه الحالي تجاه الممارسات الإسرائيلية مما يحمل في طياته إمكانية الدفع نحو حدوث تدهور على العلاقة الإستراتيجية التي تربط تاريخيًّا إسرائيل بالنظام في عمّان.

إلى جانب ذلك، فقد أثرت "مسيرة العودة" على اتجاهات الجدل الداخلي في إسرائيل وإعادت ترسيم الاستقطاب الحزبي والأيدلوجي إزاء المسألة الفلسطينية. وقد دلل السجال بين الفرقاءالسياسيين والمعلقين في إسرائيل بشأن أنماط التعاطي مع "مسيرة العودة" على أن إستراتيجية حكومة "نتنياهو" في التعامل مع المسيرة تتسم بحالة من انعدام اليقين، وهذا ما عبر عنه حتى أبواق اليمين الأكثر التصاقًا بالمؤسسة الحاكمة.

ولأول مرة منذ انتهاء حرب 2014، شعرت إسرائيل بمظاهر تراجع مكانتها الدولية بسبب تعاظم الانتقادات التي وجهتها المحافل الدولية بسبب العدد الكبير من الشهداء والجرحى الذين سقطوا بنيران قوات الاحتلال. وقد اضطر قادة إسرائيل بقدر كبير من النزق والتوتر والعصبية لخوض سجالات مع المؤسسات الأممية التي طالبت بالتحقيق في سقوط القتلى والجرحى الفلسطينيين على هذا النحو.

بقلم: 
د.صالح النعامي


تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات