"القدس" عروس المدائن.. قبلك أربع عرائس ودعت أمة العرب

7 ديسمبر 2017 - 11:35

منذ 17-12-2010 يوم أضرم البوعزيزي النار بنفسه كان الضرام بنفس كل عربيّ مذلولٍ على مدى عقود من قِبَل أنظمة مستبدة، مدعومة من كل قوى الأرض مهما سعت إلى تجميل وتحسين ذلك الدعم القذر.. لعله أقوى لهيب يُصيب أمة العرب منذ فترة طويلة، فقد وصل لهيب جسده إلى كل عربي أراد حكامٌ طغاةٌ إذلاله لعقود.. وبلغت شرارات اللهيب الوهاجة إلى المحروسة مصر ومنها إلى اليمن فليبيا، فسوريا.. ولكن الطغاة وسدنتهم المحتلين لم يريدوا لمن جعلوهم عبيدًا لهم أن يتحرروا فكان الرد بالإبادة والقتل والتشويه وكل ما تفتقت عنه عقليتهم الإجرامية.

كانوا جميعًا يدركون بلا استثناء أن هذا التحرر هو بداية تحرر فلسطين، والقدس، وأن قوى الفصل بين الشعوب -التي هي هذه الأنظمة-  والكيان الصهيوني ستتهاوى، وستأخذ هذه الشعوب حقها وحق فلسطين. لن أنسى أبدًا يوم سقطت مفرزة الأمن العسكري في إعزاز بريف حلب على الحدود السورية التركية بأيدي ثوار الشام، وهي التي تبعد مئات الكيلومترات عن القدس جغرافيًّا، أمَّا روحيًّا ومشاعريًّا فهي أقرب إلينا من حبل الوريد، كان الثوار يهتفون جئناك يا قدس، فقد أدركوا تمامًا أن المعركة واحدة والعدو واحد مهما تدثّر بأردية كاذبة زائفة بحجم فرع فلسطين أو لواء القدس أو فيلق القدس أو غيرهم.

كان الثوار يومها يمتطون دبابات العصابة التي لم تخرج من مخابئها لمواجهة الصهاينة فكانت لمواجهة أحفاد عز الدين القسام الذي لم تكن بلدته بالمناسبة تبعد أكثر من عشرة كيلومترات عن بلدة المقبور حافظ أسد بائع الجولان والقنيطرة وبطل مجازر أحفاد بيت المقدس في تل الزعتر والكرنتينا والبداوي وطرابلس وغيرهم كثير.

من هانت عليه بغداد يوم سقطت بأيدي الاحتلال الأمريكي، ثم تم التسليم يدًا بيد للطائفيين في طهران، ليجوسوا فيها خرابًا ودمارًا وقتلًا وتشريدًا وتفريغ سكان، من هانت عليه عاصمة الرشيد لن يهون عليه شيء، فقد بدأت كرة ثلجهم تكبر على حسابنا، يوم صمتنا في ذلك اليوم المشؤوم من التاسع من (أبريل/ نيسان) من عام 2003، ومن قبلها سقطت عمليًّا وواقعيًّا بيروت، ولكن السقوط تأجل إعلانه بقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ثم اجتياحها وسط عبارات وممارسات طائفية. وتواصل الانهيار الكبير، وسط تعلقنا بآمال زائفة وليس بمشروع نقوم ونسهر عليه نحن بأنفسنا، ولكننا كنا أتباع لمشاريع أخرى نعرف في قرارة أنفسنا أنها تتقاطع معنا لفظيًّا وفي أحسن الأحوال لأيام، فسكت الجميع عن سقوط عاصمة بني أمية بأيديهم وكشف ممثل الحرس الثوري الإيراني حسين همداني في كتابه رسائل الأسماك بكل تبجح كيف تمكنوا من حماية طاغية الشام، فدكوا الشام بكل سمومهم الصاروخية والكيماوية والبراميلية وغيرها من سموم وإجرام، دون أن يجرأ أحد على الرد عليهم، وصمتت معهم نُخب متعفنة وأحزاب زائفة لم تحرك ساكنًا وسط الشارع العربي والإسلامي وكأن ما يجري على مجرّة أخرى.

بعدها سقطت صنعاء وسط صمت عربي مخيف، ولا يزال البعض يداهن، ويجد المبررات للطائفيين القتلة المصرين على تفريغ الحديقة الخلفية لصالح كل ما هو صهيوني وأمريكي ونحن تطرب آذاننا لعبارة هنا أو عبارة هناك يضحكون بها علينا، وكما قال المثل الفارسي الجميل "من نصدق القسم أم ذنب الديك" وهي قصة رمزية تتحدث عن سارق إيراني سرق ديكًا لجاره، وحين عرف صاحب الديك بالسارق كان يركض وراءه يطالبه بديكه، بينما السارق قد خبأه تحت عباءته وهو يحلف الأيمان المغلظة بأنه لم يسرقه، في حين كان صياح الديك يتعالى فقال المسروق من نصدق حلْف اليمين أم صياح الديك؟

من جرّف وصحّر حياة الشعوب الحرة حول بيت المقدس، ومن هجّر شعوب دول الطوق لبيت المقدس في العراق واليمن وسوريا وفعل ما فعل في لبنان، لن يكون إلاّ مجرمًا شريكًا فيما يقع في القدس اليوم، فسارقو الربيع العربي من طهران إلى عواصم الثورات المضادة هم من وقعوا مع ترمب بالأمس على الاعتراف بالقدس كدولة للكيان الصهيوني، لا فرق لدينا أن تكون عاصمة كيانهم اللقيط في تل أبيب أم في القدس، ففلسطين أرض وقف، راح عرش بني عثمان بسببها، فلتفديها الأرواح والمهج اليوم.. اليوم.. وليس غدًا..

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان