رسالة ناصح لـ"هيئة تحرير الشام"

رسالة ناصح لـ"هيئة تحرير الشام"
  قراءة
property="content:encoded">

انتابتني فكرة هذه الرسالة لمرات عديدة خلال الفترة الماضية، أريد من خلالها النصح والإعذار، لكنّي كلما هممت أحجمت وكلما سللت قلمي أغمدته!

أما ترددي هذا فله سببان؛ الأول أنّ مشروع الهيئة بات يقف حائلًا أمام مشروع عودة القاعدة إلى سوريا، فالوقوف مع الهيئة اليوم واجبٌ في مواجهة هذا المشروع -القائم على الضرر والإضرار- وإفشاله، والثاني هو قيامها اليوم لوحدها تقريبًا بواجب التصدي للهجمات المتكررة لجيش النظام وحلفائه والدواعش في ريفي حماة الشرقي، وحلب الجنوبي.

لأجل ذلك كنت أقول أن هذا ليس أوان النصح والإرشاد، ولا أدّعي كبيرَ تأثيرٍ لقلمي، لكنّ تزاحمَ الناقدين والناصحين والطاعنين والمشككين في هذا الوقت قد يوهن العزائم ويضعف الصفوف بلا شك.

وأما سبب عدولي عن ترددي فهو أنّ الوقت يضيق والخطر مُحدِق، فلا بد من رفع إثم الإحجام عن النصيحة بعد وجوبها.

بداية، لا شك أن هيئة تحرير الشام اليوم هي الكيان الأكبر والأقوى في الشمال السوري، وكذلك فهي تقوم بالدور الأبرز في مواجهة جيش الأسد دفاعًا وهجومًا، ويقع على عاتقها إشغال العدد الأكبر من نقاط الرباط.

وكذلك لا بد من الاعتراف بسلاسة ومرونة الهيئة وتعاملها بسياسة شرعية ناضجة فيما يخص الكثير المتغيرات في الشمال مؤخرًا، مثل مساهمتها في تشكيل حكومة مدينة (تكنوقراط)، وتسهيل عملها وتأمين مستلزماتها، وكذا التعامل بإيجابية تامّة مع مسألة التدخل التركي؛ حيث استطاعت الهيئة درء مفسدة الاجتياح المباشر عبر مفاوضات أدت لاتفاق لا يخلّ بالثوابت والمبادئ.

ومع كل هذا التطور المحمود، إلا أنّ الخللَ والخطأ والزلل موجود؛ فسِجلُّ الهيئة ما زال ينبّئنا عن مظالم وحقوق معلّقة، وواجبات وفروض لم تُستوف بعد.

وإني هنا -إن شاء الله- في مقام الناصح لا الفاضح، أبتغي بذلك الخير للساحة، في ظل الحشود التي تحيط بها والمشاريع الجديدة التي تريد أن تحطّ رحالها، ولعلّي ألخّص نصائحي لقيادة الهيئة وطلباتي منها في النقاط التالية:

أولًا، المصالحة العامة؛ فلم يبقَ داعيةُ خير إلا وطالب الهيئة بإبرام مصالحة عامة شاملة مع جميع الفصائل في الساحة والإسراع بذلك قدر الإمكان، وذلك نظرًا للمتغيرات الأخيرة التي توجب جمْعَ الصفوف ووحدة الكلمة بقدر المستطاع، ولا نرى من قيادة الهيئة إلا التلكّؤ والتباطؤ والتسويف، ومن ثَمّ اختلاق الأعذار والمبررات الواهية، رغم أن الهيئة الآن هي أكثر المتضررين من هذه الفرقة الحاصلة.

فنقول بلطف وإيجاز: البِدار البِدار يا قيادة الهيئة.

ثانيًّا، رد الحقوق إلى أهلها؛ فمن المعلوم أن نزاعات الهيئة مع بعض الفصائل، وتمكّنَها من الغَلَبة فيها، أدت إلى اغتصاب سلاح وذخيرة ومقرات عنوةً وقهرًا، وهذا بلا شك ظلمٌ بيّن لا يقرّه أحد.

ولطالما طالبنا الهيئة بإرجاع ما في ذمتها من حقوق، خاصة وأنّ تلك الفصائل تتعذّر وتحتجّ بهذه الحقوق من أجل إتمام المصالحة وتشكيل غرفة عمليات مشتركة والمشاركة في صد العدو على الجبهات.

وسواء كان هذا الاشتراط الأخير -من الفصائل- محقًّا أم لا، إلا أن الواجب يحتّم على قيادة الهيئة المسارعةَ في إعادة الحقوق لأصحابها، ففي هذا إبراءٌ للذمة وقطعٌ للذرائع ومدعاة للتآلف.

ثالثًا، التحلل من المظالم، وبالأخص تبييض السجون من المظلومين، وإطلاق سراح كل من لم تثبت بحقه تهمة.

وكذلك كل من سُجن على خلفية النزاعات الفصائلية حتى لو كان لدى الهيئة ما يدينه، فالحل في مثل هذه الحالات هو محكمة متفق عليها -بين الهيئة والفصيل الآخر- لتبتّ في القضايا المثارة حول المتهم، لا أن تكون الهيئة هي الخصم والحكم!

ولعل أبرز المظلومين في سجون الهيئة هو الأخ "أحمد الخولي" الذي أكمل قبل أيام عامه الثالث في المعتقل، ولم تقدّم الهيئة إلى الآن ما يُدينُ الرجل أو يُثبت تورطه في التهم التي نسبت إليه، فالأمر -والله- زاد عن حده.

لذلك ننصح الهيئة بإطلاق سراحه، هو وكل من لم يثبت عليه جُرم يستوجب الحبس، ونذكرهم أن الظلم مانع من موانع النصر.

رابعا، وهي النصيحة الأخيرة، امتلاك الجرأة على الاعتراف بالخطأ وانتقاد الذات، والتوقف عن النبرة الاستعلائية والنخبوية التي اتّسم بها خطاب الهيئة منذ تأسيسها، وكتم أصوات التجييش التي تتحدث باسمها، والسلوك مسلكَ اللين والرفق مع المخالف، فهذه قواعد لا بد منها للتعامل مع ساحة تختلف فيها المناهج والأفكار والرؤى.

وفي الختام، إن كانت قيادة الهيئة صادقة في رغبتها في إفشال المؤامرات السياسية، وتوحيد الصفوف لقتال النظام وحلفائه كما تنادي دائما؛ فلتنظرْ في هذا الذي قلناه وقاله كثيرون، ولتبدأْ بخطوات عملية جادة في رفع المظالم ورد الحقوق وتسريع المصالحة، ففي هذا كلّه نفعٌ ومصلحة للساحة كلها لا للهيئة فقط.

فإن استمررتم في التباطؤ والتلكؤ والتسويف والتبرير فاعلموا حينها أن الساحة في خطر، بل وكيان الهيئة في خطر، ولعل قيادة الهيئة تعي جيدا ما أقصد.

كتبت ما كتبت معذرةً إلى ربكم ولعلكم تذّكّرون.

أقرأ أيضًا:بوادر ظهور جماعة جهادية جديدة في سوريا

 ردًّا على خطاب "الظواهري"..لا مكان لـ"القاعدة" في الثورة السورية

"الظواهري" يهاجم "تحرير الشام": مستعدون لفك الارتباط في حالة واحدة فقط (تسجيل)

بقلم: 
د. خالد الماوردي
المصدر: 
الدرر الشامية

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات