"بوتين" ملك سوريا... في ظلّ استسلام أمريكي!

27 نوفمبر 2017 - 16:35

لا يمكن لروسيا ولا لغير روسيا إبقاء بشّار الأسد في السلطة، هناك شعبٌ سوريّ يرفض النظام القائم، ولا يمكن أن يقبل به بغض النظر عن القوى الدولية والإقليمية التي تحاول تغيير مجرى التاريخ والتحكّم به وفق تمنياتها.

لو كان ذلك ممكنًا، لكان الاتحاد السوفياتي ما زال حيًّا يُرزق، ولكانت أحزاب شيوعية مجوّفة ما زالت تحكم دولًا، مثل بولندا والمجر وبلغاريا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا (صارت دولتين) وألمانيا الشرقية التي عادت جزءًا من ألمانيا، ولو كان الاتحاد السوفياتي ما زال حيًّا، لكانت "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية" في جنوب البلاد ما زالت قائمة...

استقبل الرئيس فلاديمير بوتين رئيس النظام السوري في سوتشي أم لم يستقبله، عقد قمّة مع حسن روحاني ورجب طيب أردوغان أم لا، لن يتغيّر الكثير... حتّى لو سلمت الإدارة الأمريكية كلّ أوراقها لموسكو، وهذا ما لم يحصل على الرغم من نتيجة معركة البوكمال الأخيرة، في تلك المعركة استطاعت قوات "التحالف الدولي" وعلى رأسها سلاح الجوّ الأمريكي، إلحاق الهزيمة بـ"داعش".

تقدمت قوات تابعة للنظام السوري مدعومة من "الحرس الثوري" الايراني وميليشيات مذهبية متنوّعة من بينها "حزب الله" وسيطرت على البوكمال، انضمت إلى هذه القوات وحدات من "الحشد الشعبي" متمركزة في الجانب العراقي من الحدود، بقدرة قادر استعاد "داعش" البوكمال ليخليها مجددًا ولتعلن إيران مباشرة وعبر أدواتها أنها ربطت طهران ببيروت.

ثمَّة من يؤكّد أنّه جرت اتصالات (أمريكية – روسية) تشير إلى وجود تفاهمات معيّنة بين الجانبين في شأن توفير ضمانات روسية معيّنة في ما يتعلّق بوضع نقطة استراتيجية مهمّة مثل البوكمال، لكنّ هناك من يعتقد أن الأمريكيين يعتبرون أن الروس أخلُّوا بوعود محدّدة كانوا قطعوها لهم.

هذه الوعود مرتبطة بعدم تمكين إيران وأدواتها من السيطرة على البوكمال، من يرى أنه لا تفاهم (أمريكي – روسي) في سوريا يقول إن الادارة الأمريكية تعتبر أن روسيا منذ دخولها إلى سوريا عسكريًّا، أخلَّت بكلّ التفاهمات مع الولايات المتحدة، فعلت ذلك إمّا عن قصد أو لسببٍ عائدٍ إلى أنّها "عاجزة" عن احترام ما تلتزمه، من بين ما أخلَّت به تكرار استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي ضد الشعب السوري، واستمرار نقل السلاح عبر الأراضي السورية إلى "حزب الله" في لبنان، أكثر من ذلك وصل الحزب من وجهة نظر الأمريكيين، إلى مرحلة تصنيع صواريخ في لبنان وذلك في ظلّ الوجود العسكري الروسي في سوريا.

من المآخذ الأمريكية على روسيا أيضًا، وصول إيران وأدواتها إلى مناطق خطّ وقف النار بين سوريا وإسرائيل، وفي معظم الأحيان كانت العناصر التابعة لإيران تصل الى مشارف خطّ وقف النار مع إسرائيل بزي الجيش النظامي السوري وتحت علمه.

يشكو الأمريكيون أيضًا من وصول غواصة إيرانية إلى ميناء اللاذقية أخيرًا، والربط بين الأراضي العراقية والأراضي السورية بواسطة ميليشيات تابعة لإيران وليس عن طريق الجيش التابع للنظام السوري، كما وعدت بذلك موسكو غير مرّة.

بعد اللقاء بين "بوتين والأسد" الابن في سوتشي، وبعد القمة الثلاثية "الروسية – الايرانية – التركية"، وبعد معركة البوكمال والظروف التي أحاطت بها، يصحّ التساؤل هل استسلمت إدارة دونالد ترامب لـ"بوتين" نهائيًّا وباتت تكتفي بوجود عسكري في إحدى ضفّتي الفرات، أم أنها تُحضر لمعركة مقبلة، خصوصًا أنه لدى الأمريكيين أربع عشرة قاعدة على الضفة الشرقية للفرات، فضلًا عن قواعد أخرى في أنحاء مختلفة من الشمال السوري.

قبل سنتين زار بشّار الأسد موسكو بعد استدعائه إليها من أجل إفهامه ما يستطيع عمله وما لا يستطيع عمله، أفهمه "بوتين" بلغة الأمر أنّه بات هناك وَصِيّ عليه، كان ذلك في العشرين من أكتوبر/تشرين الاوّل  2015، ما الذي تغيّر منذ ذلك التاريخ؟

ما تغيّر أن التدخل العسكري الروسي الذي بدأ قبل شهر من مجيء رئيس النظام السوري إلى موسكو، مكَّن "بشّار" من البقاء في دمشق وحمى الساحل السوري وقرى العلويين بكلام أوضح أن النظام يدين ببقائه لروسيا وليس لأحد آخر غيرها، ليس سرّا أن ايران نفسها اعترفت بأنه لا بدّ من الاستعانة بروسيا في حال كان مطلوبًا عدم سقوط دمشق، أي تحريرها من بقايا النظام السوري والمحيطين به.

ما الثمن الذي ستطلبه روسيا في سوريا التي بات "بوتين" يعتبر نفسه ملكها؟ الأهمّ من ذلك، هل في استطاعتها أن تطلب ثمنًا قد لا تكون إدارة "ترامب" مستعدة لتوفيره لها؟

واضحٌ أن القيصر الروسي اعتمد خيار المحافظة على ورقة بشّار الأسد في الوقت الراهن، علمًا بأنّ ثمَّة خيارًا آخر تفضله إيران يتمثّل في إدخال إصلاحات شكلية على النظام السوري وإبقاء السلطة في يد "الأسد الابن"، أي في العائلة والدائرين في فلكها الذين يدينون بالولاء الكامل لطهران.

أيًّا يكن الخيار الروسي، وأيًّا تكن درجة الاستسلام الأميريكية لفلاديمير بوتين، هذا في حال صحّ أن هناك استسلامًا، يظل أنه ليس في الإمكان تجاهل أنّ ليس في استطاعة أيّ قوّة على الأرض المحافظة على نظام أقلّوي لم يمتلك أيّ شرعية من أيّ نوع في أيّ يوم من الايّام.

لو كان ذلك ممكنًا، لما كانت الثورة السورية مستمرّة منذ مارس/آذار من العام 2011، هذه الثورة التي عمل النظام، ومعه روسيا وايرانعلى شيطنتها، مستمرّة وإن كان بأشكال مختلفة على الرغم من كلّ الدمار الذي لحق بالمدن والقرى والبلدات والبنى التحتية.

سيكون أمام روسيا نوع جديد من التحدّيات في المرحلة الانتقالية التي تظنّ أنها ستشرف عليها، بموافقة أمريكية وأوروبية وحتّى عربية، من بين هذه التحديات الطموحات الإيرانية التي لا حدود لها، وهي قائمة على فكرة ربط أراضٍ سورية بأراضٍ لبنانية معيّنة تقع تحت السلطة المباشرة لـ"حزب الله" الذي يعتبر بقاؤه مسألة حياة او موت بالنسبة إلى إيران.

هناك تحدّ آخر يتمثل في أنّ الولايات المتحدة لم تقل، في رأي كثيرين، كلمتها الأخيرة بعد وهي في انتظار الوقت المناسب لتؤكد للروس أنه ليس في استطاعته إعلان نفسه ملك سوريا في ظلّ تمدّد إيراني لا يرضي بالتأكيد إسرائيل التي لديها هواجسها الأمنية والتي صارت تعتبر الجولان جزءًا من أراضيها.

أثبت فلاديمير بوتين من دون شكّ أنّه قادر على تغيير المعادلات في سوريا، الدليل على ذلك أن "الأسد الابن" ما زال في دمشق، إلى أي حدّ سيذهب في لعبته، خصوصًا إذا تبيّن أن الأمريكيين غير راضين عنها، وهم ينظرون بريبة إلى الحلف "الروسي – الايراني – التركي"؟

سيتوقّف الكثير على ما إذا كان في الإمكان الحديث عن استسلام أمريكي أمام روسيا أم لا؟

يبدو أنّ الحرب في سوريا ما زالت في بدايتها، على الرغم من أن سيطرة إيران على البوكمال تطور في غاية الأهمّية، الأمر الوحيد الثابت أن من الباكر الحديث عن إعداد روسي لمرحلة انتقالية يُبحث فيها جدّيًّا في حلول سياسية، لن يكون هناك انتقال فعلي إلى الجدّية، إلّا في اليوم الذي يصبح فيه الكلام واضحًا عن أنّ "الأسد الابن" ونظامه لا يصلحان سوى لتمرير مرحلة يتركز البحث فيها على إعادة تشكيل بلد كان اسمه "الجمهورية العربية السورية"، مَن المجنون في هذا العالم الذي يتصوّر أن بشّار الأسد يمكن أن يحكم سوريا في مرحلة عودة السلام إليها... هذا إذا عاد السلام يومًا؟

 

بقلم: 
خيرالله خيرالله
المصدر: 
ميدل إيست أونلاين