قاهر "الدوفدفان" صاحب الأرواح السبعة

23 نوفمبر 2017 - 23:41

ولد وفي قلبه قضيةٌ تحترق، وعاش في يده جمر القسَّام الملتهب ، ومات وعلى صدره وسام الشهادة المنتظر.

فكان له ما تمنى ، وكان لأبناء شعبة العزة على أرضهم ، وللمحتل الذل والعار.

فلم يكن الاحتلال ليعلم أن آلياته التي احتلت باقي الأراضي الفلسطينية عام 1967م سيولد بين جنازيرها الفولاذية طفل سيجعلهم يلعنون أنفسهم ألف ألف مرة .!

فلقد سقاهم الموت الزُّؤام ، ومرغ أنوفهم في تراب فلسطين , وحطم أسطورة الأمن الصهيوني التي لا تُخترق .!

إنه القائد المجاهد البطل  محمود أبو هنود قائد كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة  المقاومة الإسلامية "حماس"  في الضفة الغربية  ، والملقب من قبل أعداءه بـ " صاحب الأرواح السبعة " ، و عرفته فلسطين بصاحب القامة الطويلة والعيون الخضراء والوجه البيضاوي بقدراته الفذة وبلائه الحسن في ميدان المقاومة .

بعد سبع سنوات من الملاحقة الدءوبة  تعرض خلالها لمحاولتي اغتيال فاشلتين ، تمكنت قوات الاحتلال الاسرائيلي  مساء يوم الجمعة 23/11/2001م من رصد القائد المجاهد البطل  محمود محمد أحمد  أبو هنود  واغتياله  أثناء انتقاله من مخبأ إلى آخر في منطقة نابلس .

استشهد  القائد المجاهد محمود  أبو هنود عندما قامت مروحيات إسرائيلية بقصف السيارة التي كانت تقله على طريق يربط قريتي ياصيد قضاء نابلس والفارعة قضاء جنين  بخمسة صواريخ ، وقد استشهد في الغارة مساعده المجاهد مأمون حشايكة وشقيقه المجاهد أيمن حشايكة ، وقد حاول محمود أبو هنود الفرار والالتجاء إلى جبل قريب من مكان الحادث، ولكن الطائرات الصهيونية لاحقته وأخذت تطلق عليه الرصاص من النوع الثقيل ، وهو ما حول جسده إلى أشلاء لم يبق منها إلا الجزء الخلفي من الرأس وبعض القطع من جسده الطاهر .

وقد علق الجنرال إسحاق إيتان قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال الإسرائيلي على عملية الاغتيال  بالقول :

" إنه الصيد الثمين الذي طالما بحثنا عنه في كل بقعة من بقاع الضفة الغربية ..  إنه الكابوس الذي أقلق مضاجعنا ردحـًا من الزمن ..  لقد كان تصفية هذا الرجل هو إنجازٌ حقيقيّ لجهاز المخابرات والجيش الإسرائيلي ..  إنه يكاد أن يكون الإنجاز الأكبر لنا منذ أن اندلعت الانتفاضة ".!!

وباغتيالها القائد محمود أبو هنود تكون قوات الاحتلال الإسرائيلي قد طوت الصفحة الأخيرة من مطاردة طويلة ودموية لهذا المجاهد استمرت أكثر من 7 سنوات  فشلت خلالها في اغتياله مرتين على الأقل ، ودفعت ثمنـًا باهظـًا لهذا الفشل .

"الله يعينه على مقارعة اليهود " قالها جده لوالده عندما بُشر بميلاد حفيده محمود ، وعندما سمع الأب هذه العبارة من أبيه انطلق مهرولًا نحو زوجته و أخبرها بما دار وهو لا يستطيع منع نفسه من التساؤل :

 "هل أصيب والدي في عقله ؟ كيف يقول هذا الكلام و محمود ما زال عمره ساعات "  ؟!.

لكن الأيام أثبتت فراسة الجد حيث أصبح محمود من أشد " المقارعين" للاحتلال .. بل ذاق الاحتلال الصهيوني على يديه الكثير من الولايات .

ولد القائد المجاهد  البطل محمود محمد أحمد أبو هنود شولي في بلدة عصيرة الشمالية ( عصيرة القسام ) بقضاء نابلس في 1/7/1967م ، ونشأ في أسرة متدينة معروفة بتدينها ومحافظتها المميزة وله ستة أشقاء .

لم يكن محمود طفلًا عاديًّا بل تميز كثيرا عن رفاقه ، لم يمارس ألعاب الأطفال العادية … كان دائمًا يقود المعارك ، وينظم رفاقه في الشارع ، تعود على القيادة وملك خصالها ، كان يصنع أهدافًا من خامات البيئة البسيطة من حوله ، ويصوب نحوها فيصيبها بكل دقة ، وحسب أقرانه فإن محمود كان يحب أن يلعب دور الطفل المحارب حيث كان يصوب بندقيته البلاستيكية عليهم ويلاحقهم في حقول الزيتون الممتدة في الجبال المحيطة  بالقرية  ، وكان يحظى بمحبة جميع أهالي القرية .

كان محمود منذ بواكير صباه متعلقًا بالمساجد دائم الصلة بها ، ويفتخر والده بأن نجله محمود عشق التدين منذ نعومة أظافره ، و يشهد له المقربون أنه منذ بلوغه السابعة من عمره وهو حريص على صلاة الفجر في المسجد مع والده ،  ويصف أهل قريته أحوال قريتهم قبل أن يثب فيهم البطل ويؤجج حبهم لله قائلين :

"كان الجميع نائما فأيقظ محمود عصيرة الشمالية" .

 وبدأ مع أطفالها وأشبالها يعقد لهم الجلسات الدينية في حفظ القرآن الكريم ، والحديث عن أمور الدين حتى ربى أجيالًا من المسلمين تعتز بهم عصيرة الشمالية وما حولها .

 أنهى محمود دراسته الثانوية في مدارس البلدة قبل أن يلتحق بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية في الخليل ، غير أنه لم يكد يمضي في هذا الطريق الأكاديمي حتى تفجرت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987م  فكان  محمود أحد أهم أبطالها مشاركـًا وقائدًا ، وخلال إحدى المواجهات التي شهدتها عصيرة الشمالية عام 1988م أصيب محمود إصابة بالغة في الكبد والطحال والرئتين أدت إلى استئصال 25% من كبده ، ومنع جنود الاحتلال سيارة الإسعاف من نقله، وتقدم نحوه جندي صهيوني  وداس بقدمه على رأسه وقال :

"لازم تموت" .!

 فرد محمود :

"إذا كان لي عمر فسوف أعيش رغمـًا عن أنفك" .! ثم بصق في وجه الجندي الإسرائيلي ودفعه جانبـًا.

اعتقل بعدها مدة ستة أشهر لنشاطه في صفوف حركة  "حماس" ، وحينما خرج من المعتقل كان أكثر عزيمة على مواجهة الاحتلال ومجرميه ، فاستمر في جهاده ونشاطه ، كما أنه عاد إلى دراسة الشريعة وهذه المرة في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة القدس .

حصل محمود على شهادة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية في شهر فبراير/شباط 1991م .

أُبعد إلى مرج الزهور في جنوب لبنان مع 415 مجاهدًا في 17/12/1992م ، واستمر إبعاد محمود تسعة أشهر ، وبعد عودته إلى الأراضي الفلسطينية اعتقله الإسرائيليون عشرة أيام في سجن مجدو .

وبعد عودته من الإبعاد التحق محمود بالجهاز العسكري لحركة حماس ، وقام بأولى الهجمات ضد سيارة للمستوطنين قرب قرية الباذان في العام 1994م ، مما أدى إلى إصابة اثنين من ركاب السيارة بجروح .

أسس  محمود خلية "شهداء من أجل الأسرى"  عام 1995م ، وكان في عضويتها كل من المجاهدين معاوية محمد أحمد نصر الله جرارعة  "أبو دجانة " ، و توفيق علي عبد الله ياسين ، و بشار محمد أسعد صوالحة  ، و يوسف جميل أحمد داوود الشولي  "أبو أسيد" ، وجميعهم من عصيرة الشمالية ،  ثم انضم إليهم لاحقًا  المجاهد  خليل إبراهيم يوسف الشريف "أبو أحمد"  من نابلس  الذي تولى قيادة الخلية ، وكان هدفها تكريس عملها لتحرير الأسرى .

وبعد أن اكتمل تشكيل الخلية ؛ بدأ أفرادها جهادهم بعملية محكمة شمال مدينة نابلس، مستهدفين بالرصاص سيارة كانت تسير في طريق الباذان ، مما أدى إلى مقتل طبيب صهيوني وإصابة مرافقه بجراح ، وكان ذلك  يوم الثلاثاء  5/12/1995م .

في العامين 1996- 1997م اتهمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي القائد المجاهد  محمود أبو هنود بتجنيد خمسة استشهاديين وتزويدهم بالمتفجرات ، وإرسالهم لارتكاب عمليات استشهادية في سوق محني يهودا وشارع بن يهودا في القدس ، واتهمته أيضـًا بقيادة الجناح العسكري لحركة حماس في الضفة وتجنيد الاستشهاديين وإعداد المتفجرات .

 وكان القائد المجاهد محمود  أبو هنود قد نجا من محاولتي اغتيال سابقتين ، الأولى جرت ليلة الأحد 27/8/2000م حينما حاصرته وحدة خاصة إسرائيلية داخل بيت في قريته ” عصيرة الشمالية “، وفتحت نيران أسلحتها عليه، وإصابته في يده وظهره وكتفه ، لكنه تمكن من الهرب والوصول إلى مستشفى في نابلس بعد أن سار مسافة 20كيلو مترًا في الجبال الوعرة وهو ينزف ،  وقد قتل في تلك العملية ثلاثة من أفراد الوحدة الإسرائيلية وأصيب 9 آخرين  ، و قد أطلقت على هذه المعركة  "معركة عصيرة"  .

وكانت محكمة أمن الدولة العليا الفلسطينية أصدرت حكمـًا بالسجن لمدة 12 عامـًا على المجاهد القائد محمود أبو هنود  في ساعة متأخرة من ليلة 1 / 9 / 2000م إثر احتجازه لدى دخوله مناطق السيادة الفلسطينية عقب نجاته من محاولة الاغتيال الأولى في 27 / 8 / 2000 م .

 و محاولة الاغتيال الثانية كانت إثر عملية استشهادية في مدينة نتانيا  قام بها الاستشهادي المجاهد البطل محمود أحمد مرمش يوم الجمعة 18 مايو/أيار 2001م ،  حين قصفت طائرة حربية صهيونية من طراز "إف 16" يوم الأحد 20/5/2001م موقع احتجاز أبو هنود في مقر الشرطة الخاصة في نابلس  بهدف قتله و مجموعة من إخوانه ، وأسفر القصف عن استشهاد 11 من رجال الشرطة الفلسطينية ، لكن عناية الله أنقذت المجاهد البطل محمود أبو هنود وإخوانه .

وأكد أحد أفراد الشرطة الفلسطينية أن لحظة القصف كان محمود  أبو هنود يصلي في سجنه وفي مكان يسمى "الإكليل" داخل سجن نابلس القديم ، وهو مبنى تم بناؤه في زمن الانتداب البريطاني ، وأن الغرفة التي تواجد بها أبو هنود سمك الحائط فيها حوالي ثلاثة أمتار ونصف ، ولو تم هدم السجن فلن يصاب بأذى .

وقال: "قصف السجن واستمر محمود  أبو هنود في صلاته ، وامتلأت الغرفة بالغبار ولم يعد أحد منا يرى الآخر صرخت فلم يرد علي ، ولكن بعد أن انتهى من صلاته أخذ يبحث عني حتى وجدنا بعضنا البعض ، وتمكنا من مساعدة الآخرين بالخروج بسلام".

وإثر ذلك، تمكن أبو هنود الذي تعتبره إسرائيل المطلوب رقم واحد في الأراضي الفلسطينية، من التواري عن الأنظار.

وقد صرح شيمون بيريز بأنه عار على الدولة العبرية أن يبقى محمود أبو هنود على قيد الحياة . !!

 ويقول مقربون من القائد المجاهد محمود أبو هنود وأفراد أسرته بأنه كان يردد على مسامعهم بأنه وهب حياته للجهاد ، وأنه يأمل أن يسقط شهيدًا .

وذكر شقيقه مصطفى  أبو هنود  أن محمود رفض مرارًا عروضـًا من أسرته بالزواج ، حيث كان يقول بأنه لن يعيش طويلًا لأنه نذر حياته للجهاد .

كان   محمود عاشقًا للمسجد الأقصى ، متعلقًا به بشكلٍ غير عادي ، وكان كثير التردد عليه حتى وهو مطارد ، فبعد عودته من إبعاد عام 1992 م من مرج الزهور ، وفي حفل استقبال للمبعدين تم في جامعة النجاح بمدينة نابلس قدَّم نفسه وقال :

"أخوكم في الله عاشق الأقصى محمود أبو هنود" .

بقلم: 
عـادل أبو هـاشـم