مؤتمر "الرياض2 "شخبطات سعودية في لوحة "الثورة السورية"!

23 نوفمبر 2017 - 14:02

رأينا، أو رأى بعضنا، ذلك الرسام الماهر الذي أمسك الفرشاة، وأخذ يضع الشخبطات على لوحته، والكل يتعجب ويترقب، ماذا بعد هذه الشخبطة؟ ظلَّ الرسام يشخبط ذات اليمين وذات الشمال، وينحرف بنفسه هنا وهناك في حركات بهلوانية، حتى غاص الجميع في موجة من الغضب لماذا هذا الاستخفاف ؟ وإذا بالرسام يقلب اللوحة أو يرش عليها شيئًا، فتخرج  صورة من أبدع الصور، وإذا هو الفنان المتمكن .

حصل هذا في حفل الأمير خالد بن عبد العزيز أمير الرياض، وقد قام  الفنان "أسامة نصر" بعمل هذه الشخبطات والتي كانت في النهاية هي صورة الملك الراحل "عبد الله بن عبد العزيز"، واليوم ترسم المملكة موقفًا هو أقرب بتلك الشخبطات من القضية السورية، والسؤال المثير هو : هل هي الفنان الماهر، أم هي حيث كانت الأوامر؟

هل تستقل المملكة بمواقفها من القضية السورية أم تتماهى مع الإرادة الدولية على حساب إرادة الشعب السوري وثوابت ثورته؟
 تضاربت مواقف المملكة من القضية السورية، فلا هي مع المعارضة ولا هي مع النظام، تصريحات متناقضة تجمع بين الضدين، ومؤتمران- "الرياض 1- الرياض 2"  ينسخ أحدهما الآخر ، مؤتمرٌ يشير إلى فترة انتقالية ليس فيها بشار، والآخر لا يمانع من وجوده، بل وحتى انتخابه لفترة أخرى، فهي في الحقيقة تقوم بدور الرسام صاحب الشخبطات ومهما كانت الحركات فهي تتماهى مع إرادة الدول الحليفة، والتي قد تتبدل من وقت لآخر بحسب مجريات الأحداث والتفاهمات خلف الأستار .

قبل المؤتمر بأيام  أعلن رئيس الخارجية السعودي عادل الجبير ضرورة تعديل المعارضة لمواقفها بما يتوافق مع الواقعية السياسية في إشارة إلى قبولها ببقاء بشار الأسد في الفترة الانتقالية التي يعقبها البناء السياسي للدولة، لم يكن السوريون واقعيين طوال ست سنوات لأنهم يطالبون بالحرية في تقرير مصيرهم واختيار قيادتهم، لا يا سيدي فهي ليست الواقعية السياسية بل قل التوافقات والتوازنات الدولية، المصالح والمواءمات السياسية.
وإذا كان على المعارضة أن تعدل مواقفها فتتخلى عن الثوابت .. فهل عليها إحياء مليون شهيد قضوا جراء فاشية هذا النظام المجرم، وهل يستطع الجبير تعويض، أو المعارضة المفبركة أكثر من 12 مليون شريد ؟ هل يقبل معارض شريف أن يخون تلك الدماء وهذه التضحيات؟
فليغير من يشاء مواقفه، ولكن لن يكون هذا المعارض من الثوار الحقيقين بل من الخائنين الذين سيكتب عنهم التاريخ أنهم خائنون لقضيتهم ودماء شهدائهم.

إذا لا يمكن لأي اجتماعٍ عربيّ أن يخرج عن مخرجات الدول الكبرى ومقرراتها، ويراعي التحولات السياسية التي طرأت على مواقف الدول من الأزمة السورية والثورة السورية، فليس في مؤتمر الرياض 2 إلا ما كان في "مؤتمر الرياض 1"  والذي عُقد قبل سنتين في ديسمبر/كانون الأول 2015 ، بل أسوأ؛  وقد عُقد تحت نفس الشعارات: توحيد قوى المعارضة، وانتخاب وفد يتولى التفاوض حول مستقبل البلاد والخروج بوثيقة حول مكونات المرحلة الانتقالية في إطار بيان "جنيف 1"، ليس هناك جديد سوى التمهيد لمقررات "جنيف 8" ، أو مؤتمر "سوتشي" والذي لن يتعارض مع "جنيف 1"،والذي قال فيه وزير الخارجية الروسي "لافروف" : "إنه لم يتضمن إخراج الرئيس بشار الأسد من الحكم"، وهكذا تدور الدائرة، مؤتمر يعقبه مؤتمر ومخرجات على مخرجات، وعلى الدول الرديفة أن تغسل المعارضة من درن  تبني إرادة الشعب لإسقاط النظام قبل حضورها المؤتمرات، وأن تفرزها بحسب المقررات السابقة واللاحقة لمؤتمرات "جنيف وأستانا، وموسكو وفينا"، والتي لا تنص جميعها على إزاحة النظام القاتل!!

فمن "جنيف 1" في 2012 إلى "جنيف 7" في 2017، وحتى "جنيف 8" في 28-11-2017 ، ومن "أستانا 1" في يناير/كانون الثاني 2017 وإلى  "أستانا 7" في أغسطس/آب 2017 وحتى "أستانا 8" الذي ربما يكون هو نفسه مؤتمر "الشعوب السورية"  الذي أعلن عنه الريئس الروسي "فلادمير بوتين"، والذي تم تأجيله،  كلها لم يتبن فيها مؤتمر مبادئ الثورة، ولم تكن فيها المعارضة ممثلة للشعب الثائر وجميعها محاولات للجمع بين النقيضين، بين نظام مجرم فاشي، وإرادة شعب مظلوم أعلن أنه يريد إسقاط النظام، واستبداله بنظام يمثله ويحقق مطالبه العادلة في الحرية والعدالة والكرامة .
كلها محاولات للالتفاف على الثورة وثوابتها ودماء شهدائها، وفي الكواليس وخلف الأستار حروب دافئة وصراع نفوذ بين الدول الكبرى ومواءمات بحسب المصالح، وكل منهم له عرَّابه الذي يهيئ له قوى المعارضة  لقبول إرادته وتحقيق مصالحه..

مؤتمر "جنيف 1" عُقد في يونيو/حزيران 2012 بعد خمسة عشر شهرًا من الثورة في مارس/آذار2011، قتل الآلاف وشرد الملايين، وظهر إجرام الطاغية تجاه شعبه، ومع ذلك كله لم يتبن خيار الثورة في رحيل النظام المجرم، وها نحن بعد ست سنوات قتل مليون سوري وشرد نصف الشعب واستخدم الكيماوي، ولم يتبن المجتمع الدولي خيار الثورة في رحيل النظام، بل يمهد لبقائه عبر عرَّابيه، فماذا ستكسب الثورة من هكذا مؤتمرات، وماذا عساها أن تخسر بعد كل ما خسرته؟!

لقد تجاوز مؤتمر "الرياض2" الهيئة العليا للمفاوضات، واستبدلها بمنصة "موسكو والقاهرة"، لظنه أنها تتمسك بمبادئ الثورة وعلى رأسها رحيل النظام المجرم، استبدلها بممثلين عن منصة "موسكو والقاهرة" المطبوخة في دهاليز المخابرات الروسية، والتي صنعت على عينه ، فكيف يمثل الشعب من يتجاوز ثوابت ثورته، كيف يستجيب لمؤتمر  يسوي بين الضحية والجلاد، والقاتل والمقتول، كيف يجلس الجميع على مائدة المفاوضات بدون شروط مسبقة ،وتطرح جميع الملفات بما فيها بقاء رأس النظام المجرم في سدة الحكم، لا سقف مطالبات ولا مبادئ ثورة ولا إرادة شعب، ولا شهداء ولا تضحيات، فقط واقعية سياسية، على حد تعبير عادل الجبير، وعصا دون جزرة تمسك بها يد روسيا الباطشة، ومن ورائها مفاهمات أمريكية ودولية، ومعارضة مفبركة مفصلة على مقاس الإرادة الدولية، والدول الرديفة.

سيذهب مؤتمر "الرياض 2" كما ذهب "الرياض1"، سيأتي مؤتمر "جنيف 8"، وستجلس المعارضة مع النظام، وستقدم له ملف الإصلاحات ليقره أو يرفضه، وسيتم إلغاء الثورة ومسح دماء مليون شهيد، وسيستنسخ شعار حق السوريين في العودة من حق الفلسطينين في العودة، وتُدوَّل جميع الملفات، ولن يتنازل الشعب السوري عن ثوابته، ولن يسترد الحق المسلوب إلا بجهاد الشعب وعدم تخليه عن ثورته.

موضوعات ذات صلة:

21 فصيلًا يعتبرون مؤتمر "الرياض2" التفاف على الثورة.. ويحددون 4 نقاط مهمة

بعد دعمه من موسكو.. مسؤول روسي يهاجم "الرياض2" لهذا السبب

بعد مؤتمر "الرياض2".. عبد المنعم زين الدين يدق ناقوس الخطر

السعودية ترحب بنتائج مؤتمر "الرياض2" للمعارضة السورية

بقلم: 
عادل باشا