بوادر ظهور جماعة جهادية جديدة في سوريا

بوادر ظهور جماعة جهادية جديدة في سوريا
  قراءة
property="content:encoded">

تظهر في الأفق بوادر تأسيس جماعة جهادية جديدة في سوريا، الأخبار الواردة من الوسط الجهادي حول هذا الأمر باتت شبه متطابقة، ومسألة الإعلان صارت ربما مسألة وقت إن لم يطرأ طارئ جديد.

رؤوس هذه الجماعة هم قيادات سابقة في جبهة النصرة خرجوا منها بعد إعلان الجبهة فك الارتباط بشكل نهائي عن تنظيم القاعدة، وذلك اعتراضًا منهم على هذه الخطوة التي وصفوها بأنها نقض لبيعة شرعية دون استيفاء الشروط وبغير موافقة أمير التنظيم الدكتور أيمن الظواهري.

يأتي في مقدمة هؤلاء الدكتور سامي العريدي الشرعي العام السابق لجبهة النصرة، وأبو جليبيب الأردني (إياد الطوباسي) أمير جبهة النصرة سابقًا في درعا والقنيطرة، وكذلك أبو خديجة الأردني وأبو همام الشامي، إضافة إلى أبي القسام الأردني القيادي المعروف في تنظيم القاعدة والذي قَدِمَ إلى سوريا منذ قرابة السنة، ولم يكن منتميًا لجبهة النصرة من قبل.

غايتي من هذا المقال القصير ليست مجرد نقل خبر -والذي ربما صار مشتهرًا- ولكن تتمحور حول تبيين نقطتين في غاية الأهمية، وهما:
1- هذه الجماعة ضررها أكبر من نفعها بكثير.
2- هذه الجماعة غير قابلة للاستمرار فضلًا عن الازدهار

ولعلي أوضح ذلك من خلال المُسَلَّمات التالية:
أولا، هذه الجماعة تتبع للقاعدة، وبالتالي فهي سببٌ لزيادة البلاء والمحنة على أهل الشمال السوري، وذريعة جديد لتحالف الأضداد الدوليين ضد الشعب السوري بحجة مكافحة الإرهاب، وبالتالي فهي سبب لعودة قصف التحالف الدولي للمناطق المحررة بعد أن توقف القصف تمامًا بعد تشكيل هيئة تحرير الشام -تقريبًا- وزوال اسم (الجبهة) من الإعلام.
طبعا الجماعة لن تعلن أنها مبايعة للقاعدة، لكن أطفال إدلب يعرفون ذلك فضلًا عن المخابرات الأمريكية والدولية، فنحن لا نفشي بذلك سرًا.

ثانيًا، هذه الجماعة ليس لها أي تأييد في سوريا:
-فليس هناك من أهل العلم في الشام من سيقبل بها أو يعترف، بل الكل سيرفضها رفضًا شديدًا.
-وليس هناك فصيل واحد في سوريا سيقبل التعاون معها، بل حتى أقرب الناس إليها (الهيئة) سيكون على عداوةٍ ظاهرة معها.
-ولن يعترف بها أو يتعاون معها أي تجمع أو مجلس أو رابطة خدمية أو علمية أو إدارية أو إعلامية في المناطق المحررة، وهذا معروف.
-وليس لها أي شعبية في سوريا، فمثلًا في سوريا هناك مناطق مؤيدة للأحرار وأخرى للهيئة وأخرى لجيش الإسلام وأخرى للزنكي وأخرى للجيش الحر، لكن لا يوجد منطقة سورية واحدة معروفة بمناصرتها للقاعدة، أما مدينة سرمين (المشتهرة بالتشدد) فهي معروفة بتأييدها لداعش وليس القاعدة.

ثالثًا، هذه الجماعة ستكون بدون معاقل محصّنة، وسببُ ذلك أنه لن يَسمح لها أي فصيل بافتتاح مراكز أو مقرات في مناطقه، فلن يقبلها الزنكي في ريف حلب الغربي ولا الهيئة في مدينة إدلب ولا الأحرار في ريف حماة الغربي.. إلخ، وستكون بدون سلاح ثقيل وقليلة العدد ومصادر تمويلها ضعيفة، لذلك ستكون فعاليتها ضعيفة جدًا فضلًا عن ضررها الكبير.
طبعًا ربما يقول قائل: لكن هكذا بدأت جبهة النصرة.
والجواب: كان ذلك في بداية الثورة ونحن الآن في نهايتها، كان ذلك في أوج حماس الشباب السوريين والتحاقهم بالفصائل الجهادية والآن العكس تمامًا والشباب حسموا خياراتهم، والأهم أن ذلك كان قبل ظهور تنظيم "الدولة" وما تسبّب به من مأساة كبرى للثورة السورية والشعب السوري. 

رابعًا، قادة هذه الجماعة الجديدة معظمهم من غير السوريين، ويغلب عليها الطابع (الأردني)، وكذلك الظن أن غالب جنودها سيكونون من غير السوريين؛ حيث أن 85% من جنود الهيئة (في كل سوريا) هم من السوريين، وهؤلاء بغالبيتهم الساحقة مؤيدون لمشروع الهيئة وليس القاعدة، لذلك سيكون غالب جنود الجماعة الجديدة من غير السوريين على الأغلب، وأيضًا فإن مرجعية هذه الجماعة مرجعيةٌ خارجية، وهذه أسباب وجيهة لعدم حصولها على القبول الداخلي، فالقبول الداخلي هو المهم لأي جماعة جهادية، وليس القبول من خراسان.

خامسًا، لن تستطيع هذه الجماعة تشكيل أي فرع لها خارج إدلب (وإن كان لها بعض المؤيدين في باقي المناطق)، فمثلًا في الغوطة حتى الهيئة نفسها ليس لها شوكة وقوة، فلن يجرؤ بالطبع أن يخرج منها عدد من الجنود ليبابعوا الجماعة الجديدة، ببساطة لأن مصيرهم السحق على يد الفصائل الكبيرة، والأمر نفسه في درعا حيث السيطرة المطلقة للجيش الحر وكذلك ريف حمص.
ففصائل هذه المناطق تقبل بالهيئة أصلًا على مضض (لأن لها قاعدة شعبية نسبية و فرع قوي في الشمال)؛ فكيف الحال بالقاعدة ذات العدد القليل والحاضنة المعدومة!؟

 سادسًا، الفكر المتحجّر لرؤوس هذه الجماعة وارتباطهم الوثيق بالمُنظّر الجهادي أبي محمد المقدسي المعروف بفكره الأقرب لتنظيم "الدولة" وحُكْمِه على معظم الجماعات في سوريا -الإسلامية وغير الإسلامية- بالتمييع والضلال والانحراف.

هذا الأمر سيجعل من هذه الجماعة مثارَ سخط ونفور الفصائل السورية وعامة الناس، كما سيجعل منها وكرًا للغلاة والمتشددين، حيث سيلتجأ لها أصحاب الفكر الوسطي (بين تنظيم الدولة والقاعدة) لتكون لهم دِرعًا وحِصنًا ومنطلقًا لأعمال التفجير والتخريب وزرع العبوات، تمامًا كما حصل مع جماعة جند الأقصى التي كانت منضبطةً في البدء ثم تحولت مع الزمن إلى جماعة منحرفة وسيطر عليها أتباع تنظيم "الدولة"، ولا شك أن بقايا جند ولواء الأقصى ينتظرون مثل هكذا جماعة لينتسبوا إليها ويمتنعوا بها، وحينها سيورّطونها غالبًا بمشاكل وتوترات مع كل الفصائل، فتكون تلك حجة للقضاء على الجماعة كليًّا كما حدث مع الجند.

وختامًا، من الواضح أنّ جماعة بهذه المواصفات ليس ليها قابلية للاستمرار، ونفعُها معدوم، ولو استمع المسؤولون عنها لِنُصحي لَنَصحتُهم -صادقًا غير كاذب- بالتخلّي عن الفكرة نهائيًّا، إلا إن كانت مهمة هذه الجماعة هي محاربة طواحين الهواء؛ فتكون معاركها -والحالة هذه- حلقةً جديدة من سلسلة المعارك الدونكيشوتية التي سبقتها إليها الكثير من الجماعات الجهادية.

اقرأ أيضًا: "الظواهري" يهاجم "تحرير الشام": مستعدون لفك الارتباط في حالة واحدة فقط (تسجيل)

بقلم: 
د. خالد الماوردي

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات