تعطيش التنمية

13 نوفمبر 2017 - 10:04

كنت أقود سيارتي قاطعًا البادية السورية متجهًا إلى تدمر وأنا أفكر طيلة الطريق في رواية غريبة في أفكارها وفي مؤلفها. قرأتها منذ سنوات تتحدث عن التبشير بزراعة هذه البادية وتحويلها إلى جنة خضراء مليئة بالثروات النباتية، يرافقها تربية سلالات الجمال السورية التي تشتهر بها تلك البادية.

بحكم تخصصي في اقتصاديات التنمية، لم أجد من يؤكد لي أن هذه الأرض المقفرة مخبوء فيها مقادير من الماء تثير دهشة الأصدقاء ورعب الأعداء، كما تذكر الرواية. فرغم كل محاولاتي لجمع المعلومات، من عدة مؤسسات رسمية، إلا أنَّ الجميع أكَّد لي أن سوريا ما هي إلا بلد فقير بالماء إلى درجة الجفاف. فالبلد معتمدة على الأمطار التي تتناقص عامًا بعد عام.

غالبية المراجع تتحدث عن الندرة والجفاف الذي يهدد المنطقة بكاملها. والتي تنذر باشتعال حروب مستقبلية قريبة من أجل المياه، والتي كنت أعتقد سابقًا أن هذه الحروب ستشتعل للتقاتل على كل شبرٍ فيه قطرة ماء. ولم أكن أدري بداية أن هذه الحروب من الممكن أن تشتعل بسبب وفرة المياه والرغبة في السيطرة على مقدرات الشعوب العربية ومنعها من الاستقلال التام والتنمية الذاتية.

وبسبب تكاثف عاصفة غبارية مفاجئة، لم أر إلا جسمًا ضخمًا لآلية ظهرت أمامي فجأة. لم أصحُ من هول الاصطدام بها إلا في مشفى تدمر الوطني، حيث طمأنني الطبيب إلى أن حالتي مستقرة. ولكن كل ما عدا ذلك كان قد أصبح فانيًا.

عندما يتوهج الحلم (رواية)

نشرت هذه الرواية في سورية عام 1979م. وكاتبها هو عضو القيادة القطرية لحزب البعث "عبد الله الأحمد" والذي قال في مقدمة روايته: إنه لم يقل ولن يقول شيئًا لا يقبله حزب البعث، الذي يحكم سوريا منذ عام 1963م.

ورغم أن حزب البعث كان يتبنى ويعلن دائمًا عقيدته الثورية المعادية للكيان الصهيوني ودولته المزعومة، ويطالب بتحرير كامل الأراضي العربية المحتلة، إلا أن كاتب هذه الرواية كتبها على أساس بناء رؤية تخيلية مستقبلية تقوم على الصلح مع إسرائيل واستيعابها في كيان الدولة العربية الواحدة التي كانت قائمة عام 2030م كما يتخيل الكاتب.

وتكلم عن ازدهار التنمية الاقتصادية في كافة المجالات، والتي اعتمدت أساسًا على الثروات العربية والعلوم والتقنية الإسرائيلية. وكان المثال الصارخ في هذه الرواية هو المشاريع الزراعية في البادية السورية التي تتوسطها مدينة تدمر الأثرية، والتي يتصور الكاتب أنها استعادت مكانتها التاريخية إبان عصر الملكة زنوبيا.

تحدث كثيرًا عن مياه جوفية بكميات هائلة مخبوءة في جوف البادية السورية، والتي سيتم استخراجها بتقنيات حديثة، ستستخدم لزراعة غلات غذائية تكفي سكان الوطن العربي كله. وكل ذلك بفضل التزاوج بين الموارد العربية والتقنية الإسرائيلية المتقدمة، في ظل السلام والأمن الذي توفر بفضل اتفاقية الصلح بين العرب وإسرائيل، وانتشار السلام القائم على تفهم كل طرف للآخر.

طبعت ونشرت هذه الرواية في سوريا عام 1979م. وهي نفس السنة التي بدأ الصراع المسلح فيها بين النظام السوري والإخوان المسلمين. وبعد أشهر من نشوب هذا الصراع قامت دوريات أمنية بسحب جميع النسخ من الأسواق والمراكز الثقافية الحكومية. ولكن أحدهم أخفى نسخة منها بعد أن أدرك خطورتها. وزودني بها عندما سمعني ذات مرة ألقي محاضرة عن المياه في سوريا وذكرت فيها كتابًا خطيرًا يؤكد وجود المياه بوفرة، وهو كتاب العرب الإلكترونيين.

كتاب العرب الإلكترونيين

صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب 1970م، وهو من تأليف عضو مجلس العموم البريطاني "مارغريت ماكاي". تساءلت في بدايته: لماذا لم تدخل أمة العرب الحضارة الحديثة بعد؟ ولماذا ما زالت متخلفة أشواطًا كثيرة عن ركب هذه الحضارة؟

ولكي تجيب على هذ السؤال بحثت في إمكانيات العرب فوجدت أنَّ لديهم كل ما يؤهلهم لتصدُّر الحضارة الحديثة ولا ينقصهم إلا الإلكترونيات، طبعا تقصد هنا التكنولوجيا. وتقول بأن هذا النقص سيتم تعويضه في السنوات القادمة بسبب طبيعة التكنولوجيا المتجهة إلى الانتشار والشمولية.

ولكن ما يهمني الآن هو حديثها عن المياه حيث قالت: إن القشرة الأرضية الكتيمة مائلة من القارة الأوربية باتجاه الوطن العربي. فكل الثلوج التي تهطل وتضطر أوروبا إنفاق المليارات على التدفئة وتحسين شروط الحياة والعمل، تظهر عند العرب ماء زلالًا صالحًا للشرب والزراعة، وبكميات لا تنفذ مهما استخدمت وذلك لأنها متجددة دومًا بفضل الآليات والتوازنات في الطبيعية.

الغريب أنها في خاتمة كتابها، أجابت عن سؤال البداية فقالت: لعل الله أراد أن يحفظ هذه الأمة من التلوث بفكر وحضارة الغرب، وأراد لها أن تبقى نقية مثالية، حتى تتصدى لسدة الحضارة البشرية بعد أن يستنفد الغرب شروط بقائه التي قاربت على الاكتمال، كما قالت.

الأغرب أنها ختمت كتابها بالآية القرآنية الكريمة (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) (الجن/10).

النخيل والزيتون في البادية السورية

بعد خروجنا من مشفى تدمر الوطني، كان في انتظارنا أحد أبناء تدمر والذي أصر على استضافتنا في بيته قبل متابعة السفر.

خلال تناولنا طعام الغداء، جرت أحاديث متنوعة. لم أشارك بها إلا في التوكيدات اللغوية الجسدية كنوع من المجاملة. لكن فجأة تحول الحديث إلى مشكلة الزراعة الرئيسة في تدمر ألا وهي قلة الماء التي أفنت عشرات الآلاف من أشجار الزيتون والنخيل التي تشتهر بها هذه المدينة. فتساءلت عن احتمالية وجود مياه جوفية وفيرة في البادية؟ لكن غالبية الحضور، أكَّدوا استحالة هذا الأمر، ودللوا على ذلك بأن الجفاف يعم المنطقة وذلك بسبب النقص الحاد في المطر.

مضيفنا، وهو الوحيد من أبناء مدينة تدمر، تكلم موجهًا كلامه لي: إن كل ما ذكرته مراجعك صحيح. حيث أن الحكومة قامت بالتنقيب عن المياه منذ سنوات قليلة، واستخدموا لذلك حفارات عملاقة. وخرجت المياه من على عمق 2000 متر وبالتدفق الذاتي. وأن هذه الآبار (وعددها أحد عشر بئرًا) تم تسويرها وإغلاقها ومنع أي شخص من الاقتراب منها. ولا تفتح إلا أسبوعًا واحدًا في السنة لاختبار غزارة التدفُّق فقط.

وأخذني بسيارته في جولة ليريني ما كنت أحلم به، وما بدأت أعتقد أنه مجرد أوهام وتخرصات لا أساس علمي لها. رأيت بأم عيني بئرًا ارتوازيةً يعلوها رأس النضح الفولاذي وله أكرة دائرية عملاقة ربطت بقفل كبير لا يمكن فتحه لغير المسؤولين عنه. خاصة أن البئر مسوَّرةٌ بسياج معدني يحيط موقع البئر بمساحة كبيرة. وكان المشهد نفسه مع باقي الآبار التي ممرنا بها.

شهقت بخوف وهلع وقلت بصوت خفيض ولكنه مسموع لمضيفي ومرافقي التدمري.. يا إلهي، ما قيل في الرواية صحيح؟ وكلام مارغريت ماكاي صحيح أيضًا. تبسم المضيف وقال للأسف نعم.

بقلم: 
د. محمد إقبال