أسكنها صدر عدوك لا أخيك!

أسكنها صدر عدوك لا أخيك!
  قراءة
property="content:encoded">

كانت دقات القلب متسارعة مضطربة..
الأقدام تقدم وتحجم..

يسود الموقف خليط من المشاعر..

جلبة أصوات أسمعها من بعيد.. أرسلت بصري جهة الصوت دون فائدة، حتى تجلى أمامي جمع من الناس يعتلي ظهر أحدهم شاب قد رفع المصحف بين يديه.. راسمًا لنفسه النهاية التي يريد ختم حياته عليها.. والجميع ينادي بالحرية!
كان ذلك من يوم الجمعة أوائل عام 2011 قرب المسجد الأموي في دمشق، في  تلك اللحظة أدركت نفسي معنى الحرية، ثم بدأت المطاردة….

قرابة السبع سنين من الثورة السورية، تاريخ ثقيل وأحداث متراكمة مرت خلالها، أحاول في كل مرة أن أسترجع الذاكرة، أقيّم بعضها، وآسف على الكثير منها، فيغوص تفكيري في هذا الماضي حتى يعالجه الواقع بلسعات سريعة وصدمات متكررة، فأسأل نفسي الأسئلة الثلاثة المتكررة هذه؟

من نحن؟
ماذا نريد؟
وكيف؟

هذه الأسئلة التي لم يستطع أبناء الثورة السورية الإجابة عليها فضلًا عن ترجمتها واقعًا والعمل بها، فقد اندلعت الثورة السورية بعاطفة جياشة وقهر متراكم، فجرها الشعب لا الأحزاب والجماعات، وبحكم غياب الجهة المرشدة والداعية للثورة لسنين قبلها، لم تكن هناك رؤية واحدة تدلنا أين المسير وما هو الطريق، وفي هذا الجانب طغت التجارب والاجتهادات السياسية والعسكرية والمنهجية على كل مناحي المناطق المحررة، لتختزل الثورة السورية كل صور الحكم عبر التاريخ خلال سنين قليلة، ترفض بعضها وتقيم الأخرى أو تتأقلم معها، وتخضع لبعضها الآخر، والثورة مستمرة...

والأمر الذي يحيرني أيضًا من هو السبب في وصولنا لهذا الحال السيء للثورة، داعش، القاعدة، النصرة، هيئة تحرير الشام، أحرار الشام، السلفية الجهادية، المميعة، المناهجة، المازوتية، العلمانيون، الإخوان؟
لكل منهم جانب أخطأ فيه، علمًا أني لا أنتمي لأي من هؤلاء فكرًا أو تنظيمًا، ولكن إسقاط فشلنا على جهة واحدة وإنكار دور ذاتنا وتنزيهها عن الزلل أو تحمل المسؤولية فخطأ أكبر، فكلنا مسؤولون.. فالواقع الفاشل والجاهل والسيء نتيجة أخطائنا الفاشلة والجاهلة والسيئة!
قل هو من عند أنفسكم!

وعندما نريد أن نقيِّم الحاضر لا يمكن بحال أن ننسى حجم التآمر الذي تعرضت له الثورة السورية إقليميًّا ودوليًّا، والذي أسهم بتحويل تفكيرنا لقناعة أننا السبب في كل ما حصل، ونسينا ما أجرمه نظام الأسد وحجم المأساة التي أورثها لنا، وتغافلنا عن حجم الدعم الذي تلقاه السياسي والعسكري أمام قوى متواضعة مشتتة الفكر والتنظيم، على العكس تمامًا من الدول التي دعمت الثورة على حياء وخجل من بعضها، وتنكر غيرها وتآمر أكثرها.. فهل يمكن لهذه الأسباب أن نخرجها من تشخيص الواقع..

فأن تهزم الثورة ميدانيًّا وتبقى حاضرة بقلوب أهلها، خير من أن يكفر بها أبناؤها ويلعنوها، فلكل ثورة رصيد اجتماعي كبير وهو المرجعية الذي تقاس به حالتها الصحية ومدى قدرتها على الحياة والبقاء، وهذا ما نفقده الآن شيئًا فشيئًا!

الثورة السورية اليوم أصبحت عبئًا ثقيلًا على كل من حولها غير أبنائها، فالدول والداعمون -المتلاشون أساسًا- يريدون اليوم التنصل منها وسحب اليد بأقل الخسائر وأوجه الصور، التنصل المادي قد تم، والأخلاقي يجري يومًا بعد يوم بتسارع شديد.
ولا معول على نجاح الثورة بعد الله غير أبنائها الثوار فهم أهلها وهم من يتحمل مسؤوليتها وهم أجدر من يضحي من أجلها وهم القادرون على تبنيها بجميع مساوئها وسلبياتها السلوكية الناتجة عمن هم في صفها.

وأهلها هم عوام المسلمين الذين اخترنا لهم هذا المصطلح للإشارة إليهم أنهم الرعية والأتباع وراء كل شيء تختاره "النخبة" لنفاجأ في لحظة من اللحظات أنهم الحقيقة ونحن الوهم، وإني من عوام المسلمين بل أدناهم.

هذا هو حال الثورات،فالثورة هي منشأ الفوضى والعفوية والاندفاع، العاطفة في البدايات والصدمة أمام الاستحقاقات وعند الهزيمة اللعن والانشقاقات، ويتم البحث حينها عمن يتم توريثه تلك الهزيمة والانكسار، لنمنح أنفسنا راحة وهمية نحتال بها على عقولنا ولكن محال أن يغفل عنها التاريخ.

إن أفضل سلاح فقدناه خلال السنوات الماضية هو سلاح الحوار والحب وتقبل الآخر، وسرنا بالثورة إلى مكان غير الذي بدأت منه من ثورة الكرامة والحرية والعدالة، أن يحيى الإنسان كإنسان، له من الحقوق ما يستوجبها لا ما يطمح لها ويعيش عمره كله سعيًا وراءها، فهي حقوق فطرية يستحق أن ينالها مع أول نفس يستنشقه في هذه الدنيا، إلى ثورة إثبات صحة ما نؤمن به من أفكار وآراء في واقع الناس وحياتهم، وبالطبع كلها اجتهادات نالت حظها من الفشل.

فتحول خلاف الآراء والتيارات إلى خلاف مترجم لصدام مسلح، لنتنازع على الفرو قبل اصطياد الدب، فحاجز فلان وبلدية فلان وجماعة فلان، وغاب عنا أنه حاجز الثورة وبلدية الثورة وأبناء الثورة.

مع كل ما حصل ويحصل لا بد لنا من وقفة سريعة بقدر سرعة الأحداث وتتابعها، نقيم بها حالنا، ونخرج بحل مرضي للثورة والناس، منكر لذواتنا وما نطمح إليه.
الفيضان قادم ولا زلنا في الجهة المقابلة له، فماذا أعددنا له؟!
ولقد بتنا اليوم كالميت الذي تشيعه الدول وتحفر له قبره وأهله غائبون؟!
أين نحن؟!
نحن منشغلون بسفاسف أمورنا، نلعب لعبة التحرير كل يوم، تحرير أرضنا من بعضنا!! للأسف نقولها!
أين نحن عما يحاك لنا، كل الدول منشغلة بقضيتنا إلا نحن؟!
منشغلون بمشاكلنا، وبحواجزنا ومقراتنا وبتغريداتنا وبقصف جبهات بعضنا، حتى إنني ذاك اليوم رأيت أحد أصدقائي الشهداء في المنام فواريته نظري وعند كتابتي هذه الكلمات علمت لِمَ فعلتُ ذلك؟
هل نحن أوفياء حقا للدماء التي بُذلت؟!

لا يشك عاقل أننا بتنا اليوم بحاجة ماسة للتصالح مع أنفسنا وأهلنا وأن تتصالح القوى الثورية مع بعضها وتتفق على أهداف كلية يخدمها كل منا بما يستطيع بعيدًا عن حلم الاندماج وسرابه القاتل.

خجلًا من صرخات الأرامل ونداءات الأسرى وأمنيات الشهداء، ألا يمكن أن نتفق على التالي؟!

1- اصطفاف القوى العسكرية بمجلس عسكري أو بغرفة عمليات مهامها الثغور.
2- إدارة مدنية للمحرر تدير حياة الناس بمشورتهم وموافقتهم ومشاركتهم في ذلك.
3- مجلس شورى استشاري سياسي غير ملزم يناقش النوازل التي تطل علينا كل يوم وخاصة الأمور الخارجية بغية الوصول لخيارات مناسبة لها.
4- تشكيل مجلس قضائي أعلى يمارس صلاحياته على الجميع وفوق الجميع، يقف على القضايا العالقة في الساحة السورية.

هذا ما يمكن أن يتم خلال جولات متسارعة عاجلة نرضى بشكل نتائجها بالحد الأدنى، وتعلن بكل صدق مع أنفسنا وأهلنا.

لنوقف الاقتتال ونرفضه نفسيًّا وعمليًّا وواقعًا، فلنتشارك اليوم بما نكره خير من غد يُفرض علينا بما نخضع له أذلاء مقهورين!

ولنسمو فوق ذواتنا ونكن على قدر من المسؤولية، فنحن مسلمون مجاهدون، أصحاب قضية حق عادلة، نريد الدفاع عن أنفسنا وأعراضنا ونحرر أرضنا بكافة السبل الشرعية الواقعية المستطاعة بعيدًا عن استجداء خارج التكليف أو ضرب من الخيال المنهجي الحالم، فهذه هي معركتنا!

نحن مسلمون ثوار بكافة توجهاتنا وأفكارنا، تجمعنا دائرة الإسلام الواسعة، لا الحزبية الضيقة التي لا تكاد تسع لرأيين في مسألة ما.

فأسكن يا أخي الرصاصة الأخيرة صدر عدوك لا أخيك!

ومع كل ما تقدم فإني مؤمن بالثورة وبنجاحها بإذن الله، سينصرها الله ولكن هل سينصرنا؟ وهل تتوفر فينا أسباب النصر، هذا السؤال ليبحث كل شخص عنه في نفسه ويعمل على توفر أسبابه ليكون من أهل النصر حين يأذن الله به.

 

بقلم: 
زيد العطار
المصدر: 
خاص للدرر الشامية

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات