العدوان على الأقصى إعلان حرب

العدوان على الأقصى إعلان حرب
  قراءة
property="content:encoded">

عندما يقدم الاحتلال على الاعتداء على المسجد الأقصى، ويتجرأ على إغلاق المسجد والحرم القدسي أمام المصلين، ويعمد إلى اتخاذ إجراءات تهويدية بحق المسجد الأقصى، ويتحكم بالدخول إلى المسجد والخروج منه، ويحدد أعمار الداخلين إليه، ويتحكم في إغلاق أبوابه على مدار الساعة، فهذا يمثل إعلان حرب على كل العرب والمسلمين في كل الأرض، لأن ذلك يمثل انتهاكًا لحرمة المقدسات، وعدوانًا صارخًا على أماكن العبادة التي أجمع العالم على احترامها وحمايتها، فضلًا عن احترام المعاهدات والمواثيق المبرمة بهذا الشأن.

مسألة قدسية الأقصى في عقائد المسلمين ليست خاضعة للظروف السياسية التي تمر بها المنطقة، ولا تتأثر بحالات الحرب والسلم، ولا يمكن الانتقاص منها عبر المفاوضات، وليست قابلة للأخذ والرد والحذف والإضافة اعتمادًا على موازين القوة التي يحاول المحتلون استغلالها بمكر وخديعة يمتاز بها الصهاينة بجدارة، ومكانة الأقصى وقدسيته عند المسلمين ثابتة بنص القرآن الكريم الذي يتلونه بصلواتهم على مدار الزمن إلى يوم القيامة، على غرار البيت الحرام والمسجد النبوي، وهذا ما يميزه عن بقية أماكن العبادة وبقية المساجد التي يتم بناؤها عبر التاريخ.

هذا المنطق يحاول المحتلون تجاهله بصلف غير معهود في علم العلاقات الدولية والأعراف الدولية الراسخة في البشرية عبر القرون، ولكن المشكلة الأكبر والأكثر خطورة تتجلى بغياب هذا المعنى عن بعض الزعماء العرب، من الذين يتحملون المسؤولية في هذه الظروف الصعبة، وفي هذا الزمن الرديء، وكأنهم لم يقرؤوا قوله تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".

ولا يدركون أن انتهاك هذه القدسية يمس بعقيدة مليار ونصف المليار من البشر، ويشكل استفزازًا خطيرًا لكل الشعوب العربية والإسلامية، واستفزازًا مريعًا لكل الأجيال الحالية والقادمة، وأن السكوت عن هذا الانتهاك يشكل إذلالًا خطيرًا للأمة، سوف يسفر عنه ردات فعل كبيرة ومرعبة غير خاضعة للتوقعات، ولا ينفع إزاءها كل خطابات التعقل والتهدئة، وفي هذا السياق ينبغي تذكير الزعماء العرب والشعوب العربية والإسلامية بجملة قضايا على قدر كبير من الأهمية:

القضية الأولى: أن المسجد الأقصى يخضع الآن للاحتلال الصارخ والمعلن الذي يقرُّ به العالم أجمع ويقر به المحتلون أنفسهم، مما يقتضي منا جميعًا التعامل مع هذه الحقيقة، واستعمال هذا المصطلح وهذا الوصف على وجه التحديد، عندما نتحدث عن هذا الموضوع دون مواربة، وينبغي عدم البحث أو استعمال مصطلحات بديلة مثل مناطق الصراع، أو النزاع على أرض مختلف عليها، أو ما شابه من مصطلحات العدو المنتقاة بعناية، وهذا يترتب عليه بوضوح أن مقاومة الاحتلال أمر مشروع وتُقره كل أعراف البشر والمواثيق الدولية قديمًا وحديثًا.

القضية الثانية: أن الاحتلال إرهاب بكل ما يحمل المصطلح من معنى، وليس إرهابًا فقط وإنما مصدرًا للإرهاب في المنطقة، وهو الذي فجر الغضب في نفوس الشعوب، ويؤدي حتمًا إلى التفكير في استخدام العنف في مقاومة آلة البطش الساحقة، ولذلك فإن السكوت على الاحتلال وإقراره وعدم إنكاره ومحاولة إصباغ الشرعية عليه وعلى آثاره يمثل تواطؤًا مع الإرهاب ودعمًا له وتسويغًا للعدوان الصارخ، ولن يصدق الناس دعاوى محاربة الإرهاب في ظل بقاء الاحتلال.

القضية الثالثة: تتعلق بالخطاب السياسي المحض بعيدًا عن لغة المبادئ والثوابت، أن هناك قرارات دولية بالانسحاب من الأرض المحتلة وإنهاء الاحتلال، وهناك قرارات دولية باعتبار الأقصى مكانًا دينيًّا مقدسًا للمسلمين، وهناك قرارات دولية في إثبات حق العودة للاجئين والمهجرين، فليس من المنطق ولا من العقل ولا من السياسة ولا الكياسة عقد صفقات تقوم على الاعتراف بالعدو والإقرار بآثاره، دون أن يلتزم بالانسحاب وإنهاء الاحتلال أولًا، والالتزام بتنفيذ القرارات الدولية على الأقل، وهو الحد الأدنى الذي لا يمكن القفز عنه مهما كانت الأسباب والمبررات.

القضية الرابعة: تتعلق بحركة الشعوب والجماهير والقوى السياسية والمجتمعية في مواجهة الحدث، إذ ينبغي أن تبتعد عن الاستغراق في لغة الانفعال السطحي الذي يؤدي إلى تنفيس الغضب الشعبي، الذي يتم تكراره في كل مرة، وإنما ينبغي أن تنتقل إلى منهجية التأطير الشعبي الفاعل الذي يعمد إلى لغة البناء المجتمعي التراكمي، والسعي نحو امتلاك الثقافة الجمعية المنظمة التي تستخدم أوراق القوة الذاتية المؤثرة على الصعيد الوطني والداخلي أولًا.

بقلم: 
د. رحيل محمد غرايبة

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات