لماذا كانت الغارات على طريق دمشق - بغداد؟

لماذا كانت الغارات على طريق دمشق - بغداد ؟
  قراءة

فاجأت الولايات المتحدة العالم باستهدافها عبر التحالف الذي تقوده قوةً تابعة ﻹيران في الجنوب السوري على طريق دمشق - بغداد الدولي، وكانت تلك القوة (وهي ميليشيا "كتائب سيد الشهداء" العراقية الشيعية) متوجهة إلى معبر "التنف" الحدودي مع العراق، في مسعى لبسط السيطرة على الحدود السورية العراقية من جهة الجنوب المحاذية للأردن.

وسبق تلك الغارةَ تحذيراتٌ انتشرت في الصحافة الغربية من اقتراب إيران بشكل غير مسبوق من تحقيق ممر بري عريض يصلها بالبحر المتوسط، وحديث إسرائيلي عن رفض وجود موطئ قدم عسكري بحري لها هناك، حيث قال نتنياهو: إنه طالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرارًا بمراعاة خطوط حمراء إسرائيلية قال إنها تتمثل في منع إيران من إنشاء قاعدة عسكرية لها على المتوسط حتى لا تهدد نشاطها العسكري والتجاري هناك، ومنع حزب الله والميليشيات العراقية من الاقتراب من هضبة الجولان المحتلة.

هل ترفض إسرائيل والغرب الهلال الشيعي فعلًا؟ 

كان أول من أطلق مصطلح "الهلال الشيعي" هو الملك الأردني عبد الله الثاني في حديث لصحيفة الواشنطن بوست اﻷمريكية عام 2004، عبر فيه عن تخوفه من وصول حكومة عراقية موالية لإيران إلى السلطة في بغداد تتعاون مع إيران والنظام السوري لإنشاء هلال يكون تحت نفوذ الشيعة يمتد إلى لبنان. 

ويُقصد بالهلال الممر البري العريض الذي يمتد من الحدود الجنوبية ﻹيران مرورًا بشمال العراق (ولعل هذا ما يفسر أهمية الموصل بالنسبة ﻹيران) ويستمر عبر العراق إلى الحدود السورية من دير الزور شمالًا حتى معبر التنف جنوبًا مرورًا بالبادية السورية وريف حمص الشرقي وتدمر ومن حلب شمالًا حتى دمشق جنوبًا، ليصل إلى الساحل السوري ولبنان.

وما حدث منذ ذلك الحين هو تعميق التعاون الأمريكي والغربي مع تلك الحكومة الطائفية في بغداد، وتلقيها هي والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران دعمًا مستمرًّا بلغ ذروته في 2014 حيث حصلت على دعم مباشر من قِبل تحالف دولي واسع يضم 62 دولة تحت قيادة الولايات المتحدة بذريعة محاربة تنظيم الدولة.

وأدى ذلك الدعم إلى بسط نفوذ إيران على كامل العراق تقريبًا، على حساب المدنيين، في حرب بدا أنها تستهدف استئصال السنة العراقيين وتهجيرهم والقضاء عليهم، في عملية تغيير ديموغرافي واضحة لصالح إيران، وامتدت تلك العملية لتشمل دمشق "عاصمة اﻷمويين" في تواطؤ واضح من قبل الأمم المتحدة وسكوت تام من قبل الدول الغربية، التي تدين استخدام الكيماوي والبراميل المتفجرة، إلّا أنها تتجاهل التهجير.

وتتناقض آراء المتابعين بين من يرى تحالفًا غير معلن بين إيران وإسرائيل والغرب بخلاف ما يصرّح به كل من الجانبين، وبين من يرى وجود عداوة فعلية، ومخططات غربية لاستنزاف كلّ إيران والدول العربية عبر السماح لها بالتمدد ضمن حدود ترسمها واشنطن والعواصم الغربية بالتفاهم مع تل أبيب، حيث يبدو - بحسب ذلك الرأي - أن معبر التنف خارج تلك الحدود المسموح بها لطهران.

الغارة جاءت قبل زيارة ترامب للرياض

تحدّثت المملكة العربية السعودية عن تغير في المعطيات الإقليمية بالتزامن مع زيارة الرئيس اﻷمريكي دونالد ترامب للرياض، وتوقعت سياسةً أمريكيةً أكثر حزمًا تجاه إيران وتدخلاتها في سوريا والعراق واليمن.

وصرّح وزير الخارجية اﻷمريكي بتصريحات مضادة ﻹيران في مؤتمر صحفي جمعه بنظيره السعودي عادل الجبير، حيث حذّرها من عواقب الاستمرار في سياساتها، وذلك بعد يوم واحد من الغارة اﻷمريكية، كما قال مسؤولون أمريكيون إن الغارة هي رسالة قوية إلى إيران.

وسبق تلك الغارةَ أيضًا تصريحاتٌ للخارجية الأردنية أكدت رفض اﻷردن لوجود ميليشيات "طائفية" أو "إرهابية" على حدودها، فيما تتصاعد اﻷنباء عن حشود عسكرية بريطانية وأمريكية وأردنية على الحدود السورية، وسط حديث عن منطقة آمنة محتملة هناك.

أهمية معبر التنف

يقع المعبر على طريق دولي يصل بين دمشق وبغداد، وقد استطاعت الميليشيات التابعة ﻹيران السيطرة عليه ضمن العراق من العاصمة بغداد مرورًا بالرمادي وحتى الحدود السورية.

وبالتزامن مع تشديد القبضة اﻹيرانية على دمشق ومحيطها، تحاول الميليشيات اﻹيرانية ربط العاصمتين السورية والعراقية عبر الطريق الدولي لتكونا تحت سيطرتها الكاملة.

وسيمكِّن ذلك في حال تم إيران من الذهاب بعيدًا في الاستفادة من حصيلة تدخلاتها العسكرية في البلدين، وإكمال مشروعها الذي عملت على إنجازه منذ نهاية القرن الماضي.

سباق آخر مهم نحو دير الزور

بدأت قوات من الجيش السوري الحر مدعومة من التحالف الدولي الشهر الماضي بالتحرك باتجاه دير الزور، انطلاقًا من الجنوب السوري، فيما تحركت قوات اﻷسد والميليشيات الداعمة لها أيضًا باتجاه دير الزور من جهة البادية، بتغطية جوية روسية.

وتتحدّث تقارير غربية عن نية تنظيم الدولة نقل "عاصمته" إلى دير الزور في حال سقوط الرقة، وتؤكد قيامه بنقل العديد من مكاتبه وقاداته مع عائلاتهم من الرقة إلى دير الزور أواخر الشهر الماضي، نيسان/إبريل، بحسب ما أكدت مصادر أمريكية.

وباﻹضافة للحقول النفطية في دير الزور فإنها تقع على الحدود السورية العراقية بين مناطق نفوذ إيران في سوريا والعراق، وتتحدث الحكومة العراقية التابعة ﻹيران، عن معركة حدود ستنطلق قريبًا.

واستطاعت الميليشيات اﻹيرانية وقوات اﻷسد خلال اﻷشهر اﻷخيرة السيطرة على المنطقة المعروفة باسم "مثلث ظاظا" الواقعة شرقي العاصمة على طريق دمشق - بغداد، ثم انتقلت إلى منطقة المحدد شرقي المثلث، واستطاعت تأمين عقدة الطرق الدولية: العراق - الأردن - دمشق"، كما أنها أعلنت صراحة أن معبر التنف الحدودي من أولويات حدودها، الأمر الذي دفع فصائل الجيش الحر هناك لتحصين المنطقة ودفع تعزيزات عسكرية أكبر لصد أي محاولة تقدم جديدة.

وأكدت مصادر روسية أن العمليات العسكرية هناك تهدف لتأمين الخط البري السريع بين دمشق وبغداد بشكل أكبر، ومد مناطق سيطرة تلك الميليشيات نحو دير الزور لفك الحصار عنها، وربطها بمناطق سيطرة إيران ونظام اﻷسد.

وتختلف اﻵراء بين من يرى تواطؤًا أمريكيًّا واضحًا مع طهران في تنفيذ المشروع، وبين من يرى استدراجًا واستنزافًا أمريكيًّا لها عبر تركها تتمدد إلى حجم أكبر من حجمها الطبيعي، وعليه فإن الغارة من كِلا الوجهين تبدو مجرد خط أحمر رُسم ﻹيران حتى لا تقترب من تلك المنطقة.












تعليقات