عندما تتهاوى أوراق حزب الله

عندما تتهاوى أوراق حزب الله
  قراءة
property="content:encoded">

قبل نحو أربع سنوات، اطمأن حزب الله إلى نجاحه في إبعاد سعد الحريري عن رئاسة الحكومة، إثر قبول الأخير، في أبريل/ نيسان 2013، بتسمية تمام سلام لتشكيل حكومة جديدة ومشاركة تياره فيها جنبًا إلى جنب مع حزب الله، بعد أن أسقط حق النقض الذي كان قد وضعه عليه. واستكان حزب الله إلى تحصين وضعه الداخلي، عبر دقّه أول إسفين بين قوى 14 آذار بخروج وليد جنبلاط منها، ثم برفض "القوات اللبنانية" دخول حكومة سلام، وانفراط عقدها لاحقًا عشية انتخاب ميشال عون رئيسًا للجمهورية، بعد الفراغ الذي فرضه في موقع الرئاسة سنتين ونصف السنة.

مَهَّد هذان العاملان الطريق أمام الميليشيا الشيعية، لكي تندفع نحو الانغماس في الحرب السورية، بعدما نجح بشار الأسد بتحويل ثورة الشعب السوري السلمية ضد استبداده إلى حربٍ دموية على الإرهاب.

شاب خطاب حسن نصر الله في البداية بعض الحذر تجاه التورط في القتال ضد الانتفاضة متخذًا طابعًا تبريريًّا، مرة بحجة الدفاع عن اللبنانيين الشيعة الساكنين داخل الأراضي السورية من وراء الحدود، وطورًا بضرورة حماية الأماكن الشيعية المقدسة في دمشق وما حولها. ومَرَدّ هذا الحذر أنه كان قد أُجبر على التدخل، تسللًا ومن دون إعلان، من أسياده في طهران في وقتٍ كان زعيمه يتكلم عن حل سياسي وحوار مع المعارضة. وسرعان ما راح يتحول إلى خطاب تبجّحي سافرٍ مع الانهيارات التي بدأت تُصاب بها كتائب الأسد، واضطرار حزب الله إلى الانخراط في القتال على أكثر من جبهة. عندها سقط التحفظ الشكلي، وخرج نصر الله يتباهى، ويعد جمهوره كعادته بـ"النصر الأكيد ولا شيء غير النصر"؛ وهو وعد الضرورة، لأن إيران كانت قد قرّرت الدفاع عن النظام مهما كان الثمن. وليبوح نصر الله لاحقًا لنائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، بأنهم اضطروا للتدخل، لأن دمشق كانت ستسقط في أيدي المعارضة المسلحة.

واتسعت الحرب، وتشعبت وتعقدت لتتخذ طابع المواجهة الشاملة مع تمدّد التنظيمين الإرهابيين "داعش" و"النصرة" بين سوريا والعراق من جهةٍ، والمواجهة الدولية من جهةٍ أخرى، مع التدخل الروسي الاحتيالي والفظ يقابله انكفاء أمريكي سبقه توقيع اتفاق نووي مع طهران، لكن الثمن كان بالفعل باهظًا، طبعًا على "حزب الله" كونه الذراع الإيراني الضارب الذي راح يلم ضحاياه فرادى، ثم مجموعات، تزداد مع توسع المواجهات، لتصل حتى حلب. وراح النزف يكبر ويتسع، والجنوب اللبناني يتشح بالسواد يومًا بعد يوم، من قريةٍ إلى أخرى، إلى درجة أن تشييع القتلى بات شبه يومي. وتقدّم القتلى قياديون أمثال مصطفى بدر الدين، قريب عماد مغنية، والمطلوب للمحكمة الدولية في جريمة اغتيال رفيق الحريري، والأسير المُحَرَّر سمير القنطار، وجهاد نجل عماد مغنية، وغيرهم، كرمى عيون الأسد.

غير أن هذا الذي اعتبرته القيادة الإيرانية بمثابة "شهر عسل" لتمدّد طهران وتوسع نفوذها في المنطقة، وعبر عنه أحد مسؤوليها مزهوًّا بالقول: "باتت إيران تسيطر على أربع عواصم عربية هي: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء"، لم يدم طويلًا إثر قرار السعودية التصدّي عسكريًّا لهذا النفوذ في اليمن، رافقته حملة على حزب الله في لبنان، ترجمت بوقف هباتٍ بمليارات الدولارات خُصصت لدعم الجيش اللبناني، وشبه قطيعة سياسية ومالية مع حليفها وابنها المدلل الحريري، لموقفه الذي اعتبرته "مائعًا" تجاه حزب الله. وانتقلت هذه الحملة إلى أروقة جامعة الدول العربية التي تبنت قرارًا باعتبار حزب الله تنظيمًا إرهابيًّا، وهو قرار موجع على الصعيد الشعبي عربيًّا وإسلاميًّا إذا ما وضع ضمن إطار الصراع المذهبي السني - الشيعي المحتدم في المنطقة.

صمد حزب الله في لبنان، وتمكّن من فرض ميشال عون رئيسًا، وإنما بفضل تراجع قوى 14 آذار وانقسامها على نفسها، وبتبني الحريري ترشيح عون؛ طمعًا بالعودة إلى رئاسة الحكومة. وهذا ما أثبتته التطورات وسلوك الحريري في دفاعه المستميت عن رئيس الجمهورية، وتغطيته استفزازات رئيس "التيار العوني" ووزير الخارجية جبران باسيل. ولكن هذا الأمر تزامن في المقابل مع مغادرة باراك أوباما ودخول دونالد ترامب البيت الأبيض وإعلانه، على الفور، الحرب على إيران، وعلى ذراعها المليشياوية في لبنان، فقد أعلنت الإدارة الجديدة عزمها على فرض عقوبات اقتصادية جديدة، وحصار مالي على حزب الله، وعلى كل من يقيم علاقات أو يتعاون معه.

ونصت مسودة القانون على "معاقبة الأشخاص المعنويين والماديين المرتبطين بعمليات تمويل حزب الله وأصولهم وفروعهم والمتعاملين معهم"، ما يجعل مروحة المستهدفين واسعةً جدًّا إلى درجة أن صحفًا كبرى، مثل فاينانشيال تايمز، رجّحت احتمال أن تطاول العقوبات رئيسي الجمهورية والبرلمان عون ونبيه بري.

من هذا المنطلق اضطر حزب الله للقبول بعودة الحريري إلى رئاسة الحكومة، لعلّ ذلك يخفف من حدة الضغوط عليه، ويوفر له نوعًا من الحماية الداخلية التي فيها مصلحة للطرفين على السواء. واليوم، يبدو الاثنان متضامنين شريكين في السلطة، الحريري رئيس حكومة يريد استعادة موقعه وترميم علاقته مع السعودية ومعالجة مشكلاته المالية، وحزب الله يريد الاستقواء بالحكومة والاحتماء بها لمواجهة ضغوط الإدارة الأمريكية على آيات الله في إيران وفي سوريا، وعاصفة الحصار المالي الذي يهدّد بالإطباق عليه، والذي بات عملاؤه في مطار بيروت للتدقيق في كل شاردة وواردة، وفي كل قرش في كل حقيبة وكل جيب. وهو أيضًا مربك سياسيًّا للإحراج الذي يسببه له حليفه عون؛ ولذلك هو منكفئ تاركًا لحليفه الشيعي رئيس حركة أمل، نبيه بري، لعب دور المناور والمتصدّي لانفلاش (وانفلات) رئيس الجمهورية، وصهره رئيس التيار، والحاشية، الذي يريد أن يغرف كل السلطة بحجة "استعادة حقوق المسيحيين"، والذي يدين في الأساس لحزب الله بوصوله إلى سدة الرئاسة.

وأخيرًا، وهذا العامل الأهم والأكثر وجعًا، دقت ساعة الانسحاب من سوريا. فقد أعلن نصر الله بشكل مفاجئ، في خطابه أخيرًا، أن حزب الله فكّك مواقعه العسكرية على الحدود اللبنانية الشرقية مع سوريا، قائلًا: إنه "أنجز مهمته" هناك التي لم يكلفه بها أحد. وأضاف أنه يلتزم بأي قرار لوقف إطلاق النار "يوافق عليه النظام السوري الذي نقف وراءه…"، فهل هذا مقدمةٌ للانسحاب الكامل من سوريا، ومؤشر على أن اتفاقًا أمريكيًّا - روسيًّا قد حصل على حساب الدور الإيراني، ما يدفع حزب الله إلى استباق الأمور من أجل التحكم بإخراجها قبل فوات الأوان.

بقلم: 
سعد كيوان

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات